Thursday, April 30, 2009

اولاد العوضية

اولاد العوضية
يقع حي المرابيع في مدينة كوستي على ضفة النيل الابيض الغربية. تحيط بالحي المستشفي من الجهة الغربية والسكة حديد والنقل النهري من الشرق اما من ناحية الشمال فيحاصره السوق الذي تمدد بلا حياء قاضما اجزاء عزيزة منه . من الناحية الجنوبيه فهناك بيوت الموظفين التى تتفاوت في مساحاتها وان كانت تتفق في اشكالها والوانها البيضاء.
سكان الحي اغلبهم من الدناقلة والمحس بحكم العمل في السكة حديد والنقل النهري كما ايضا هناك الجعليين والشايقية ولكن اللافت هو وجود الهنود والاقباط الذين يعملون في مجال التجارة وخاصة تجارة الاقمشة. كان الهنود والاقباط وقليل جدا من الاغاريق- تقريبا يعدون في اصابع اليد الواحدة- درر كوستي من حيث حسن الخلق والتعامل الكريم والمشاركة في الافراح والاتراح والهم الوطني.
سكن هذا الحي الأستاذ الشهيد محمود محمد طه وايضا سكنه المرحوم الأستاذ يونس الدسوقي صاحب مكتبة الفكر الشهيرة، ومن الذين كانوا يترددون عليه المرحوم السيد عبد الرحمن المهدي زعيم طائفة الأنصار والمرحوم الأستاذ عبد الرحمن الوسيلة سكرتير عام الجبهه المعادية للاستعمار. زاوج حي المرابيع مابين التجارة ونشرالمعرفة والتنوير فقد تأسست اول مدرسة ابتدائية للبنين وبعد عدة سنوات مدرسة اخرى للبنات في مدينة كوستي في هذا الحي. عندما بدأ مؤتمر الخرجين بفتح عددا من المدارس الأهلية لتستوعب المزيد من طلاب الوطن كان لهذا الحي قصب السبق في انشاء المدارس وايواء طلاب المعرفة .كان يقع منزل المرحوم احمد عبد القادر- الذي كان يشترك مع قريبه وشريكه احمد كوكو في شركة الأحمدين التجارية التى كانت ركيزة وعماد تجارة كوستي بما تملكه من قشارات ومعاصر زيوت وتجارة جملة رائجة ورابحة- في الطرف الاقصي الغربي للحي ولا يفصله عن جامع كوستي الكبير إلا شارع الاسفلت الرئيسي.
كان هذا البيت هو عبارة عن مربوع كامل او كما نقول عشرة كاملة مقسمة الى عدة بيوت لابناء وبنات السيد احمد عبد القادر . هذا البيت الكبيركان بمثابة جامعة او مدرسة عريقه في شكله الخارجي وتقسيماته الداخلية التى تتسم بالبراح والسعة والطمأنينة كان ومايزال يرفل في لون قشيب رغم تكالب وتداعيات صروف الدهر الطبيعية وغيرها!. كنا عندما نأتى لنلعب ونحن مازلنا ايفاع لهذا البيت العامر كانت تسبقنا اشواقنا لمقابلة اترابنا واصدقائنا الذين كنا لا نملهم ولا يملونا بل تتجدد محبتنا وتتوثق روابطنا باستشراف العاب جديدة مع اصطحاب القديمة
منها. كنا نلعب الكرة والبلي وبوليس وحرامية!! وكابويات!! وايضا كنا نلعب السلم والثعبان والليدو وعندما كبرنا قليلا كنا نلعب الشطرنج. كنا نعامل بسجية سمحة وكرم فياض وكأننا افراد اصلاء من الأسرة. كانت احيانا تمتد فترة مكوثنا في بيت العوضية وخاصة ايام العطلات المدرسية لساعات طوال. واذكر ايضا في كثير من الاحيان كنا نأتي لنلعب في وقت الظهيرة والشمس تحرق الاخضر قبل اليابس! بالرغم من ذلك لم نسمع من أي فرد من هذه الأسرة ( شيلو اهلكم يا اولاد.. تعالوا العبو بعدين).........أو مثل( يااولاد النطارة دي بتجيب ليكم السحائي. امشو تعالو العبو بعد الواطة تبرد)............بل كنا نسمع عذب وحلو الحديث مصحوب بكل عبارات الترحيب والدعوة لدوخول الغرف والبرندات إتقاء نيران الشمس الحارقة. هذا المعاملة الكريمة شاهدناها من عميد الأسرة المرحوم السيد احمد عبد القادر الذي كان دائما يصر ان يكون مقعده بالقرب من السائق- الكشيف- ويأمره بإيقاف السيارة –البولقا- لتحيتنا والسؤال عن أسرنا. ايام الخميس عادة كانت لها نكهتها الخاصة، فقد كانت سينما كوستي في تلك الفترة تقدم افلام رعاة البقر والافلام الجاسوسية خاصة افلام جيمس بوند وظورو وغيرها من الافلام التي كانت تجذبنا. كان اولاد العوضية بعضهم في عمرنا وبعضهم اكبر منا والبعض الآخر اصغر-وكلنا في المرحلة الابتدائية- كانت مهمة الكبار منا ارسال اخوتهم الاصغر خاصة الزين وانور والمرحوم عوض لمتجرهم في السوق في اواخر العصريات لاخبار المرحوم التجاني احمد كوكو او المرحوم ابراهيم احمد عبد القادر او اي شخص في المتجر برغبتهم في الذهاب الي السينما بعد اخباره بان الفيلم اليوم كذا ... فيعطوهم الموافقة مصحوبة بالمال اللازم . نظل نحن في الانتظار بفارق الصبر فقد كان لا يبعد المتجر عن البيت كثيرا وعندما نشاهدهم وهم فرحين نعرف ان الأمر قد سار على احسن مايكون، فتغمرنا البهجة والسعادة. لا اذكر ولو مرة واحدة انهم منعوا او خيبوا ظنهم!! كان الدخول للسينما في حد ذاته حدث فريد فقد كان الدخول عادة الى اللوج الدرجة الثانية وكنا نحن نذهب معهم فبتذكرة واحدة يدخل اثنين واحد كبير وواحد صغير وكنت دائما الكبير الذي يشاهد الفيلم مع احد اولاد العوضية الأصغر . اما كيف يتم ذلك الأمر فهو قد رتب قبل وصولنا الى ساحة السينما! المدهش ان الموظف المسؤول في مراقبة الباب كان دائما يبتسم عندما يشاهدنا ولا ينبت ببنت شفة. الجاذبة ايضا لنا في هذا البيت هو توفر مجلات ميكي وسمير وسيوبرمان وطرزان والوطواط والصبيان زائدا مجلداتها التى كان الحصول عليها يعد من المستحيلات في تلك المدينة.. كانت في تلك الفترة هي حياتنا التى لا يمكن ان نعيش
بدونها !! في رجعتي الاخيرة للسودان بعد انقطاع 16 سنة وجدت الكثير من اصدقائي القدامى اولاد العوضية قد غادروا الى الخليج. اما الذين فضلوا البقاء فلم تغيرهم عاديات الزمان وتداعياته فالاريحية ونقاء النفس والوفاء هي أصائل طبعهم وشيمهم. فسلام ومحبة لاولاد العوضية خالد ،عادل، شمس الدين،مبارك،جمال،الزين،أنور،والمرحوم عوض.



عمر عبد الله محمد علي

مونتري-كلفورنيا


المتشطّر

المتشطّر


تمر بالمجتمعات المختلفة عبّر ودروس احيانا يستفاد منها واحيانا لا.
احيانا تكون قاسية وماحقة واحيانا تكون هينة ولينة ولكن المجتمعات ، عادة ما تحتاج منه لعقود كي تعي المغزى منها. الشخوص العادية او النمطية تتفاعل وتنتج كيمياء مختلفة الالوان والمذاق. وتصبح قضايا القيّم والاخلاق والحس الوطني والفهم السليم محك تظهر فيه وتبين معادن الناس . عندما وقف امام المرآة نظر الى شعره الأسود وقرّب عينيه نحو المرآة ليبحث عن أي شعره بيضاء منفلته لم تغمرها الصبغة عالية الجودة. اطمأن الى حسن هندامه وبخ قليلا من العطر الذي يدخره لهذه المناسبات.... كان في الماضي يتميز بخلق ونقاء ولكن الآن ماذا حدث؟ هل تغير الى الافضل او الى الأسوأ؟؟ هذا السؤال لن يجيب عليه الآن؟! فهو لا يريد ان يهتم باي شئ في هذا الوقت... ظل لزمان دائم الاكتراث، بيد أنه في الاونة الاخيرة اصبح يحسب من نوعية الناس التى يهمها تنغيص حياة الناس. كان يوهم نفسه بأنه شخصية بارزة لها اسهاماتها في مجالات العمل العام.... ولكن هذا الطريق طويل ويحتاج لصبر ونفس...
بعيد قدومه لمدينة لندن في غفلة من الزمان... كان يظن انه قطع اكثر من نصف الطريق لتحقيق احلامه... وكيف لا ولندن لا يعيش فيها إلا الناس المهمين والناس الشطّار!!؟ .... عند قدومه كان يظن أن الصغير يمكن ان يكون كبيرا .... فكل شئ جائز مثل ما يحدث في أي مكان وأي زمان....
فجأة تبدلت الأشياء ...واظلم النهار وتلبدت السماء بغيوم الاحن ....فقد ظهر الغول ...خبيث الحديث... قليل المعروف كثير الضحك يفرض نفسه على الكبير والصغير. فهوالقارئ للمستقبل.... وهو الذي يفجعك بالقدر..... وهو الذي لا يعرف كيف ينزله لطفا وسلاما عليك....
إذا اصابك مكروه كان هو الناظر بغضب في كل الاتجاهات.. وإذا اعطيته ظهرك فرّق البسمات يمنة ويسرة.... وإذا عانقتك الأفراح كان هو المستاء من قدومها لك لأن فرحه كان هو الأبهى و الأسبق ...
تزداد عزلته بنسجه لخيوط التآمر للغرماء.... ففي جولاته المكوكية بين علي ومعاوية يقنع عليا بقبول التحكيم ويحث معاوية على الضرب بصوارم الهند....!!
لم يفاجأ الكثيرون عندما كان يوزع بطاقات الدعوة لحضور اجتماع فرع حزب المحافظين بمدينة لندن... لم يقنع إلا حفنة من بطانته عندما اخبرهم بامكانيات الحزب المهولة.....
في حديثه مع سكرتير الفرع اخبره بانه سوف يضمن له اصوات الجالية السودانية ولكنه يريد بعض المال لزوم القيام ببعض الدراسات والاتصالات. وعندما سئل لماذا لم تفاتح سكرتير الفرعية برغبتك في الترشيح لمنصب عمدة لندن؟
قال متهكما عمدة!!.....ثم مستطردا، الزول لو داير يشوت احسن يشوت بعيد...
قال له صديقه اللدود أيمن ...( لو سرقت اسرق جمل).!....
كان تردده على بيوت الافراح والاتراح قد اصبح سمة بارزة صبغت حياته بسلبيات ما زالت تتردد في المجالس . لم تكن تهمه اقوال الناس .... فهو يعرف ان هناك من يحتاجه ويحتاج خدماته خاصة شذاذ الافاق والبسطاء من
الناس... .هؤلاء هم صيده الثمين وايضا هم يحتاجونه لمهاراته في تجميل وتشذيب الرخيص و الغث.
كان انيقا يحسن اختيارملابسه الانيقة دائما. فقد كانت من أدوات الشغل الأساسية التى لا تخر المويه ... اما الباقي فقد كان يتمو خنق ساكت....
كما كان يقول دائما.
محمود صديقه تحصل على درجة الدكتوراة فلم يعجبه ذلك... ظل يردد بين الناس بعد أن نهشت الغيرة قلبه... دكتوراة ايه الجاي يقول عليها الزول ده. والله عشنا وشفنا لحم الراس والكوجين والبتاع...
انتو طبعا بتعرفو انو اي معلومات الزول بحتاج ليها ممكن يلقاها في النت... وبعدين شيل ياقطيع وشيل يارقيع ويا لصيق.. يحدي ما يبقى ليك موضوع مكرّب واكتب العنوان البعجبك... بعد داك قشه ما تعتر ليك ..بالله ده كلام ده!!.. بالله اسع انا كان جرّيت لي زول ساكت من ملجة الله أكبر.. ما بكتب احسن من كده!!.....المدهش انه يشاهد كثيرا في منزل محمود يشكو له من قلة الفئران في بيته!!؟ وزوج صديقه محمود تقوم برمي الودع له لجلب البخت وطرد الشّر وتشوف ليه الجلا ده جاي من وين!!؟؟ ..
واما عن سيرة الناس فهذا موضوعه الأثير...
اسع بالله هو قايل نفسو شنو طالع بكتاب ونازل بكتاب.. اها يا ربي بكون ماركيز. والله ماركيز ذاتو ما مضيقا كده...
يا اخي بالله قوم كده ولا كده....
والمره دي زوجها جادعا بيهنا لمتين؟؟!
اها ...طلقوها ولا لسا في حبلو!!؟
وبالله شوف الراجل ده مبشتن كيف؟؟..
اسا لو جاب مرتو واتلما ما كان احسن ليو من البهدله دي؟؟...
والاولاد ديل ما عندهم وليّ؟؟...
اهلهم جادعنهم بهنا وهم في الخليج بهناك مرطبين ما جايبين خبر..
ما عارفينهم بكوجنو في شنو بجاي..
اما عن النساء فهو يتعامل معهن بلؤم وخبث.... ولا يؤمن بحقوقهن في دخيلة نفسه ولكنه لا يجرؤ على الجهر بذلك! .. ولكن لسان حاله دائما يفضحه..لذلك انتشرت كلمة سرّ وسطهن ترصد مكان تواجده في تجمعات الافراح والمناسبات المختلفة...
اوعا المتشطّر يكون موجود يا وصال ؟!.
والله كنتا عاوزة اجي حفلة التكريم لكن خايفة اجي القا المتشطّر قاعد منجعص ينحسّا علينا.... إشارة الى المتشطّر. فقد اصبح يطلق عليه هذا اللقب.
فترد حياة: الراجل ده متخلف ولا شنو؟.... شفتي بالله بعاين كيف للنسوان؟؟! والله انا لو كلمت ليه زوجي بياكلو نئ عديل كده........بس نسوي شنو!!!
اصبح المتشطّر هادم ملذات المجتمع . خميرة عكننة.... كل شخص يريد أن يفرّ بجلده منه فرارالسليم من الأجرب .
وصاحبنا ضارب طناش...وسادر في غيه وما أن يلتقيك وإلا فتح معك موضوعا ظانا ان هذا الموضوع مثيرا لك فهو يتخيرها.. ويعرف اهتمامات كل شخص..
ولن تفلت منه البتة.. حتى إذا هنك حمار الوادي ذاتو..
اما إذا استلف منك مبلغا من المال فعليك العوض ولحس الدموع وتوحيد الدائم!!.
في يوم من الأيام قدم شخصا جديدا الى المدينة .. تبدو عليه آثار النعم والصلاح..صاحبنا ظنه صيدا ثمينا.... تقرّب منه.. اصبح ظله و دليله...
اخبره الزائر الجديد بانه يريد شراء مضادات حيوية للوطن....
هنا سال لعاب صاحبنا . و شغل هذا الأمر عليه حياته....
ففي اليوم الثاني احضر له دراسات واسعار مختلفة لهذه الأدوية من عدة دول معظمها من دول شرق اوربا والهند والصين ..ثم ابدى استعداده للمساهمة في هذا العمل الجليل حتى لو استدعى السفر..وترك مسؤولياته الجسام الى حين!!...
اخطره الضيف بعد دراسة العروض المقدمة ان معه خطابات ضمان من عدة بنوك سودانية.. قام بتقديمها له وعرضها امامه..
فرح صاحبنا فرحا شديدا . واخبر الضيف بسرعة البدء في هذا الأمر ... وعدم التردد الذي سوف يؤدي الى ارتفاع الأسعار ..
هنا اخبر الضيف صاحبنا بان اتمام هذه الصفقه سوف يعود لهما بربح كثير يمكن ان يتضاعف ويصبح شريكه اذا دفع قسطا من التمويل...
اجاب صاحبنا بلهفة ولكن كيف؟؟؟
هنا اشار عليه الضيف بالمساهمة باي مبلغ من المال في هذا المشروع.... ثمّ ما عليه الأ بتوريد امواله في مصرف الخل الوفي بالهند
او في مصرف عيني باردة في الصين!!
لم يرهق صاحبنا كثيرا نفسه بالتفكير، فقد تذكر ان له شقه وسط البلد
يمكنه رهنها لبنك باركليز ومن ثم يجني منها الكثير..اخبر الضيف بان المشكله حلت وعليهم الاسراع في هذا العمل.. .
اتفق الطرفان على تفضيل الشركات الصينية لسعرها الممتاز والعلاقات الحميمة بين الدولتين وسرعة انهاء الإجراءات المتعلقة بالمشروع .. وكيف لا والصين تستثمر عشرة مليار دولار في قطاع البترول فقط في الوطن ناهيك عن القطاعات الأخرى!!....
في صباح اليوم التالي كان صاحبنا قد رهن شقته واحضر الخطاب من البنك المعني وقدمه الى الضيف....
واحتفالا بهذه المناسبة اقام الضيف دعوة عشاء فاخرة في فندق الهلتون الذي يقع في ضاحية كنسجتون الراقية لشريكه الجديد ووعده بتعريفه بالجماعة هناك!!؟
وبعد أن تبادلا العناوين وارقام الهواتف ودع الضيف صاحبنا في نهاية
الحفل بعد ان وقعا عقد الشراكة واخبر الضيف شريكه الجديد بانه مسافر لمقابلة شقيقته المريضة في اللكسمبرج وسيعود في اليوم التالي...
غابت شمس يومه ذاك ثم مرّ اليوم الثاني واليوم العاشر وصاحبنا ما زال ينتظر الضيف...



عمر عبد الله
مونتري-كلفورنيا اكتوبر--2008

قصص قصيرة

ترانيم الحصار


مجموعة قصصية

عمر عبد الله محمد علي












شلة كراكاس
مدّ مبارك رجليه إلى الأمام في مقعد طائرة الكاثي باسيفيك الوثيرة ، ثم حاول النوم بعد أن أغمض عينيه إلا أنه لم يستطع.. نظر صوب النافذة فلم ير غير السحب متقطعة تارة ومختفية تارة أخرى.. انتقى من كومة الصحف التي أمامه واحدة،وأخذ يقلبها من اليمين إلى الشمال، فقد ملّ أخبار الصفحات الأولى وما تطفح به من منغصات للحياة.. ولكن حتى الصفحات الخيرة لم تخلو من الفضائح والمآسي لنجوم المجتمع.. أبعد الصحيفة جانبا بعد أن قام بوضع جهاز الاستماع في أذنيه وراح يستمع إلى بعض الأنغام الموسيقية، ثم غطّ في نوم عميق، ولم يشعر بالمضيفة وهي تضع على جسمه أسفل الرقبة غطاء من الصوف الناعم.. في ميدان الحرية ب مدينة كوستي كانوا يتسابقون بالدراجات المستأجرة من عم حمزة العجلاتي.. وكان جماع دائما يفوز بالسباق فقد كان أسرعهم وأمهرهم في السيطرة على الدراجة، وهو يقودها بحركات بهلوانية مؤكدا ريادته في هذا المجال.. أما إسماعيل ومبارك فقد كانا يحاولان محاكاته وعندما يفشلان كانا يرددان دائما بأنهما حديثا عهد بقيادة الدراجات.. كانوا دائما ينتظرون عطلة الأسبوع في شوق وترقب ذلك رغم أن أسرهم كانت دائما تخاف وتمانع حرصا عليهم من الحوادث ومجتمع العجلاتية.. كان الأصدقاء الثلاثة تجمعهم الدراسة في المرحلة الأولية ولكن بمدرستين مختلفتين لا تبعدان كثيرا عن بعضيهما.. ونادرا ما كانوا يستذكرون دروسهم سويا بينما يتفقون مرارا علي استقطاع بعض النقود من مصروف طعام الإفطار تحسبا لاستيجار الدراجات.. وكانت قد تمت بينهم وبين عم حمزة العجلاتي صداقة ومعرفة، فكان يدخر لهم من عجلاته المسلوبة العافية أصلا أحسنها، وكان يتقاضى كثيرا عن تأخير الصبية لدراجاته في مواعيده المحددة.. تذكر مبارك ذلك اليوم الذي كسر فيه جماع يده عندما ذهبوا بدراجاتهم إلى مباني المحاكم حيث يوجد هناك مرتفع يخترقه شارع الإسفلت الرئيسي الذي يقسم المدينة إلى قسمين.. كان ذلك المرتفع هو المكان المثالي لتعلم قيادة الدراجات.. فعلى الشخص أن يثبت جسمه على الدراجة ثم يدفعها ليتدحرج بها وبمحاولة تتبعها أخريات يستطيع بعد ذلك قيادة الدراجة.. هكذا أخبر جماع صديقيه.. أراد جماع أن يقوم ببعض الحركات البهلوانية إلا أنه سقط وكسر يده في ذلك اليوم المشؤوم.. عندما كبروا وجدوا أنفسهم في المدينة نفسها التي نشأوا فيها فجماع يعمل مع منظمة إغاثة أجنبية ومبارك وإسماعيل يعملان في التدريس.. توثقت عري الصداقة بينهم فأصبحوا يلتقون مساء كل يوم تقريبا يتسامرون في مواضيع شتى ونادرا ما يعرجون على السياسة.. بعد فترة من الزمان وجدوا أنفسهم خارج البلاد.. وجد مبارك نفسه في بريطانيا، أما جماع فقد استقر به المقام في فنزويلا بينما استقر إسماعيل في الفيتنام.. كانوا يلتقون كل سنتين في كرا كاس بزيارة صديقهم جماع لقضاء فترة العطلة معه.. كانوا قد رتبوا هذا الأمر منذ فترة.. أما جماع فقد كان يحسب الأيام والليالي لهذا اللقاء ،إذ كان يعتبره ملاذا للسمو الاجتماعي
والروحي .. كانت الرحلة إلى كرا كاس طويلة ومملة، وفي المطبات الهوائية التي أدت لتأرجح الطائرة صحا مبارك من غفوته وقام بربط الحزام.. كانت المطبات الهوائية متقطعة تهبط وتصعد بالطائرة إلى أن اختفت بعد مدة قصيرة من الزمن أعلنها قائد الطائرة.. حاول مبارك مواصلة النوم مرة أخرى إلا أنه فشل.. فأخرج مفكرته وبدأ يقرأ فيها.. فمن المؤمل أن يصل إسماعيل مساء الغد إلى كراكاس قادما من الفيتنام فيما سيصل مبارك بعد الظهر في نفس اليوم.. وبحساب فروقات الزمن فهي ساعات ويصل مبارك إلى كراكاس.. ارتسمت بسمة عريضة على وجه مبارك وهو يتذكر اللقاء الأخير للشلة، فهو وإسماعيل وعائلتيهما يتجشمون كل عناء للقاء صديقهم جماع.. أخيرا هبطت الطائرة وحطت رحالها بسلام على أرض المطار، الفرحة ملأت جوانح مبارك توقا لمقابلة صديقه الحبيب.. انتهت إجراءات المطار وخرج مبارك إلى بهو الصالة ليجد جماع أمامه، وهو في مقعده المتحرك مشرق الوجه.. سارع مبارك برمي حقيبته وركع معانقا صديقه عناقا حارا.. سمع مبارك جماع يجهش بالبكاء فطفرت دمعة حرى علي خده.. أحس مبارك بيد تربت على كتفه، عرف أنها يد ليانا فنهض وعانقها وحياها ثم أخذ منها قيادة المقعد المتحرك إلى أن خرجوا من صالة الوصول.. توجهوا إلى أحد المقاصف داخل مبنى المطار حيث كانوا في انتظار صديقهم إسماعيل الذي سوف يصل بعد ساعات.. كانت ليانا تعرف مبارك صديق زوجها طوال عدة سنوات.. وأما زوجها جماع فقد تعرفت عليه في كمبوديا عندما كانا يعملان سويا فنشأت بينهما معرفة وصداقة ثم تطورت إلى زواج.. وعندما كانت استعدادات الزواج قائمة على قدم وساق فجأة وقع الحادث المؤسف لجماع وهو يقوم بآخر عمل له في الريف الكمبودي قبيل عطلته السنوية، والتي كانت معدة سلفا لاحتفالات الزواج فقد انفجر ذلك اللغم اللعين وأطاح بساقيه.. عندما بلغ الخبر صديقيه هرعا إليه وهما يتضرعان إلى الله أن يسلمه ويحفظه لهما.. وصلا إلى كمبوديا في وقت مناسب وبقيا مع صديقيهما طيلة أيام الفترة العصيبة.. حاول جماع إنهاء علاقته مع ليانا وصرف النظر عن موضوع الزوج بها، متعللا أنه لا يريد أن يقيدها ويسجنها مع إنسان مقعد طيلة حياته.. إلا أن صديقيه وبخاه عن فعل، ذلك خاصة بعد أن رأوا تعلق ليانا به وتعلقه بها ! .. بعد تردد وصمت وافق جماع على الاستمرار في علاقته مع ليانا التي لم تسعها الدنيا فرحا وحفظت لصديقيه هذا.. وأصبحت مدينة لهما بحياتها، بينما هما لا يريان في هذا شيئا يستحقان عليه الشكر والثناء.. كانت ليانا وهي ابنة لطبيب فنزولي وأم أسبانية نشأت وترعرعت في بريطانيا تعمل مع منظمة غير حكومية تعني بالتنمية الريفية في كمبوديا بينما كان جماع يعمل مع منظمة خيرية هدفها نزع الألغام من الأراضي الكمبودية.. بعد إصابة جماع أقنعته ليانا بالرحيل والعيش في فنزويلا فتفرغا هناك لكتابة قصص الأطفال.. في المقصف الراقي بمطار كراكاس طلب الجميع الشاي والقهوة وبعض السندوتشات الخفيفة.. سأل جماع مبارك عن أحواله وأخبار أولاده؟؟ أجاب مبارك بأن سعاد زوجته كعادتها ذهبت إلى السودان وأخذت معها ابنتها الكبيرة زينب أما ابنها كمال فقد تمرد ورفض مرافقتها .. قال جماع إن شقيقته الكبرى قد زارته العام الماضي مكثت معه شهرا كانت بردا وسلاما عليه ثم استطرد قائلا:
كنت أمني نفسي بزيارة أحد أفراد أسرتي ولولا بلوغ أمي الكبر لطلبت زيارتها.. سأل مبارك جماع عن آخر أعمالهما؟؟ فاض البشر من وجه جماع حينما واصل الحديث ضاحكا:
بالمناسبة يا مبارك هل تذكر قصص جداتنا وحكاويهم لنا عندما كنا صغارا.. ثم مواصلا الحديث، أنا أعني خاصة قصص التراث والخرافات كالغول والسعلوة وما شابه ذلك، هنا في فنزويلا ذات القصص هذه موجودة.. هل تصدق ذلك؟؟ هذا شيء مدهش أجاب مبارك.. نعم نكتب هذه الأيام في كتابا عن الغول والكلاب، قال جماع.. سأل مبارك: بالمناسبة كيف أخبار كلبكما جرقاس؟؟ أجابت ليانا: بخير وينتظرنا بشوق في المنزل.. كان جرقاس كلبا صغيرا عندما سماه لهما مبارك.. هل يا ترى سيعرفني؟؟ سأل مبارك.. أجاب جماع طبعا سيعرفك.. ألا تعرف الكلاب؟؟ قال مبارك: نعم أعرف!
وضحك مبارك وانتبه حينما تحدثت ليانا عن المشروع الكبير الذي يعملان لإنجازه مع بعض دور النشر للمساهمة في المعرض الأول لكتاب الأطفال.. هذا المعرض يخص الدول الناطقة باللغة الأسبانية ومن المؤمل أن يقام العام القادم إذا سارت الأمور على ما يرام.. كان هذا المشروع قد وجد تجاوبا كبيرا من دور النشر وبعض الجهات التربوية كما أن منظمة اليونسكو قد باركت خطواته ووعدت بالمساندة والدعم.. قاطعها جماع ذاكرا أن ليانا قد رشحت مقررا للمشروع إلا أنها اعتذرت، مشيرا الي أنهلم يكن من المعقول لليانا أن تقوم بتلك المهام لذا كان اعتذارها متوقعا خاصة مع ظروف بيتها ومشاغلها الأخرى.. ولكن مع كل هذا لم تتوقف ليانا عن السؤال والاستفسار دائما عن المشروع وسير دعمه كلما دعت الحاجة.. استأذنت ليانا وتوجهت صوب مكتب استعلامات المطار لتستفسر عن طائرة إسماعيل القادمة من الفيتنام.. واصل جماع الحديث مع صديقه مبارك معددا مآثر زوجته ليانا، وكيف أنها تقوم برعايته والسهر على راحته، وقال أنها منحته عمرا جديدا وجعلت لحياته معنى.. كنا نعرف ذلك.. أجاب مبارك، ثم مستطردا ألا تعرف أن الطيبين للطيبات.. عادت ليانا وأخبرت جماع ومبارك بأن طائرة إسماعيل قد دخلت الأجواء الفنزويلية، فتهللت الوجوه وأشرقت.. توفرت لإسماعيل منذ صباه ثروة طائلة ، فقد ورث من أبيه مركزا ماليا واجتماعيا لم يغير طبيعة حياته ولم يجعله يترك مهنة التدريس التي أحبها.. كان إسماعيل عضدا لكل مشاكل صديقيه المالية وما كان أكثرها خاصة قبيل مغادرتهما السودان.. وكان دائما يقول لهما عندما يشعران بالحرج: أنسيتم أننا إخوة؟؟ ليت كل المشاكل حلولها في المال؟؟
كانت الثروة التي ورثها من والده كبيرة وخشي الكثيرون ألا يقدر على تدبيرها خاصة عندما فاجأهم عمه في المحكمة وبوثيقة زعم فيها أن له نصف الورثة. وسرعان ما اكتشفت المحكمة بعدها أن الوثيقة مزورة، فتوارى عمه عن الأنظار.. ولكن إسماعيل سعى لإرضاء عمه وتنازل له من نصيب مقدر من ثروته وسط دهشة الأهل والمعارف والأصدقاء.. أخيرا وصلت طائرة إسماعيل وبعد الانتهاء من الإجراءات دخل الفضاء العريض الذي يؤدي لصالة المسافرين.. كان إسماعيل في صحبة سونق سانق زوجته الفيتنامية، وهذا كانت أول مرة تأتي معه.. رحب الجميع ببعضهم ترحيبا حارا فيما قدم إسماعيل زوجته لباقي الشلة.. دهشت سونق سانق عندما رأت الجميع يمسحون الدموع من أعينهم المغرورقة .. توجه الجميع بعد ذلك في عربة المايكروباص التي قادتها ليانا.. في الطريق كان إسماعيل يشرح لها الطبيعة المتميزة لعلاقته بالشلة في رد على سؤال وجهته إليه سونق سانق.. كان منزل جماع وليانا يبعد كثيرا من المطار وعندما وصلوا اجتهدت ليانا في إنزال المقعد المتحرك لجماع ساعدها في ذلك إسماعيل.. أنزل مبارك وسونق سانق الحقائب فتقدمت ليانا وفتحت المنزل مرحبة بالجميع وهم يهمون بالدخول دخل الكلب جرقاس نابحا عدة نبحات وهازا ذيله.. اقترب منه مبارك ماسحا ظهره ببطن يده فاقترب جرقاس أكثر وهو يشم رجلي مبارك وطفق يهز ذيله ويطلق في حين لآخر أصواتا تنم عن فرحة ومعرفة.... كان المنزل عبارة عن متحف صغير فاللوحات والتصاوير وبعض المصنوعات الشعبية والتي يغلب عليها الطابع الأفريقي تزين أرجاء المنزل.. هناك مائدة كانت معدة سلفا بأطعمة منتخبة.. أشارت ليانا على سونق سانق لتساعدها في إعادة تسخين الطعام.. أصبح الأصدقاء الثلاثة وحدهم فسألوا عن أخبار بعضهم البعض وتحدثوا قليلا عن أخبار الأهل بالسودان ثم عرجوا على أخبار الأصدقاء الذين تشتتوا في المهجر إلى أن قاطعتهم ليانا بأن الطعام علي المائدة.. بعد الانتهاء من العشاء قالت ليانا مخاطبة مبارك وإسماعيل....
طبعا تعرفان غرفتيكما فهما كما هما، نفس الغرفتين السابقتين وهما جاهزتين إذا أردتما الذهاب والخلود للراحة من عناء السفر الطويل.. شكر مبارك وإسماعيل ليانا وأخبراها بأنهما سوف يذهبان بعد قليل فهما يريدان التحدث قليلا مع جماع.. تحدثت سونق سانق بالفيتنامية مع إسماعيل فطلب من ليانا أن تقودها إلى غرفتها.. استمر الأصدقاء في التحدث بصوت مسموع تارة وهمسا تارة أخرى في غرفة الجلوس، ومن وقت لآخر تدخل ليانا أو تخرج حاملة في يدها شيئا إلى أن انتهت حركتها تماما في غرفتها.. قال جماع مخاطبا إسماعيل: قرأت ردك في شبكة الإنترنت وأنا أتفق معك في النقاط التي ذكرتها، ولكنك قسوت على صاحبنا قليلا.. آه.. تقصد ذلك الحيوان السمج، هؤلاء السذج لا يريدون تركنا على حالنا، أجاب إسماعيل.. مبارك: أرى أننا نضيع وقتنا ونحرق أعصابنا في الرد على هذه السخافات.. المهم هو أننا خلقنا السودان في كل مكان، قال جماع.. لم تدم الجلسة طويلا فقد اقترح جماع مواصلة الحوارفي صبيحة الغد، فصديقيه ما زالا يعانيان عناء السفر.. في صباح اليوم التالي جلسوا جميعا حول المائدة الكبيرة التي تستقر في صحن المنزل، حيث تناولوا طعام الإفطار مع الشاي والقهوة.. كان إسماعيل يساعد ليانا في الإعداد والتجهيز لطعام الإفطار بينما جلس الجميع يتجاذبون أطراف الحديث الخفيف الممزوج بالمرح والدعابة.. كان البرنامج المعد بعد الإفطار حافلا، فهناك الكرنفال السنوي وزيارة المعارض الجديدة وصالات الموسيقى والرقص.. وهكذا تمر الأيام والليالي وقد انشغلت فيها شلة كراكاس بالأيام الجميلة التي قضتها في فنزويلا مع صديقها جماع.. وقبيل السفر تسهر الشلة حتى سفور الصبح تتحدث وتتسامر، عائدة لموضوعات تطرقت إليها من قبل تتخللها بعض الأحاديث الجديدة، ثم من بعد يؤكد أفرادها على شد أزر بعضهم البعض ومن ثم يحملون حقائبهم ويتجهون صوب المطار.. تكون الرحلة للمطار دائما كئيبة وصامتة وتحاول الشلة أن تجعل الأمر عاديا بخرق جدر الصمت بكلمات وتعليقات تكون في أغلبها بلا طعم وخالية من الحياة.. وكان دائما يصحبهم الكلب جرقاس وبين الفينة والأخرى يطلق أصواتا وهمهمات حزينة كأنها كلمات وداع بينما يد مبارك تربت على رقبته طيلة الرحلة إلى المطار.. انتهت.. أغسطس 1997.. لندن.. ترانيم الحصار مر على عمله المدفوع الأجر في المنظمة العالمية لحماية حيوان الغوريلا وقتا قصيرا، ثم لم يجد بدا من العمل التطوعي معهم بعد أن كابد المشقة في إيجاد وظيفة أخرى.. استمر على هذه الحالة فترة من الزمان ثم بدأ في البحث عن العمل الهامشي عله يسد به بعض احتياجاته وفي الوقت ذاته لم تنقطع صلته بالمنظمة، فقلص أيام عمله التطوعي ليوم واحد في الأسبوع وعينه على وظيفة أخرى تجود بها المنظمة..بعد أن تخطى الأربعين أصبح موضوع الزواج يقلقه ويؤرق مضاجعه، فأهله يريدون له "إصلاح" ذات العشرين ربيع، وأسرتها ذات ثراء وجاه، وتربطه بها قرابة من بعد.. أما هو فقد كانت تراوده فكرة الارتباط بسميرة ابنة عمه ولكنه في دخيلة نفسه كان يخشى زواج الأقارب.. كان قد تعرف على بعض الفتيات هنا في بريطانيا ولكنه لم يفكر في الارتباط بهن، فهو يعتبرهن أكثر تحررا وأكثر شقاوة.. هذه النظرة تغيرت مع مرور الزمن وخبت عداوته لهن.. قادته يوما قدماه للتعرف على "ياسمين" التي أتت في بعثة دراسية ثم آثرت البقاء في بريطانيا.. كانت ياسمين فتاة سودانية جميلة وذكية وقوية الشخصية، تغلب على حياتها الحيوية والنشاط.. وكان هو بخطواته الوئيدة تجاهها كأنه يرمي بصنارته الخالية من الطعم، علها تجلب له شيئا.. لم يفاتح "أنور" ياسمين بموضوع الزواج، فقد عرف من سياق حديثه معها رؤيتها وفلسفتها للزواج لذا آثر التواري والابتعاد.. في عمله بالمنظمة كان يبادل الكثيرات عبارات الود والمجاملة، وإن كان لا يخفى بعض الإعجاب لبعضهن.. فالارتباط بالأجنبيات يشقي النفوس في كثير من الأحيان، كان يردد هذه المقولة من قبل.. كانت قد فشلت له عدة محاولات للتعرف على اللاتي رسم لهن صورا في أحلامه وأفكاره ليصبحن فتيات أحلامه.. لم يكن التعرف على فتاة إنجليزية بالعمل السهل، لذلك بدأت خططه في عمل مسح لجميع الفتيات اللاتي يعملن في المنظمة.. وجد أنور أن هناك مجموعة قليلة جدا قد يرغبن في التعرف عليه، وحتى في تلك المجموعة الصغيرة هناك من يفضلن الاحتفاظ فقط بعلاقة من دون التورط في الدخول في مشروع زواج.. وهناك من يفضلن العلاقات القصيرة الأجل ثم منهن من يرغبن في الإنجاب دون التورط في علاقة أو زواج!! لم تكن مريحة النتائج التي توصل لها أنور فزادت حيرته....
في اليوم التالي وبعد أن أدى صلاة الجمعة في المركز الإسلامي بمنطقة ريجنت بارك، توجه إلى لوحة الإعلانات التي دائما ما ينظر إليها فمرر بصره في جولة سريعة على الوظائف المعلنة فلم يجد ما كان يبحث عنه.. توجه بعد ذلك للوحة أخرى بالقرب منها، فقرأ إعلانا عن سيدة عربية مسلمة، مطلقة ولها بنت تبلع التاسعة من العمر، ترغب في الزواج من رجل مسلم، عازب أو مطلق، ولديها إقامة سارية المفعول وسوف تساعد في نفقات المعيشة..

توقف أنور قليلا ثم تلفت ذات اليمين ثم إلي ناحية اليسار فلم يجد من يراقبه.. همّ أنور بإخراج مفكرته وتدوين رقم الهاتف إلا أنه عدّل عن ذلك.. ثبّت عينيه في رقم الهاتف للحظات ثم بهدوء توجه إلى خارج الصالة حيث الفناء الكبير.. هناك أخرج مفكرته ودون رقم الهاتف ثم انصرف بهدوء وهو يواري ابتسامة رضا ارتسمت على شفتيه.. لم يكن أنور يلتفت في الماضي لإعلانات الزواج ولكن عندما زاحم البياض سواد شعره وخاف أن يطيح به الزمن بدأ في البحث بنشاط محموم عن زوجة.. أصبح يجّد في حضور المناسبات المختلفة وبدأ يكثر من الاهتمام بنفسه وبهندامه، فصرف أموالا مقدرة في العطور وأنواع منتخبة من الشامبو وأصباغ الشعر جعلت بعض أصدقاءه يتندرون به في مجالسهم الخاصة، أما لسان حاله فيقول:
أنا الذي طحنته الرزايا وأضاعته الليالي ........ وقد كنت فتى غريرا يرتاد المعالي!!
في متابعته للصحف الإنجليزية كان يحرص على صحيفة القارديان أيام السبت والأوبرزفر أيام الأحد وفويس أيام الاثنين، ذلك لنشرها إعلانات للذين يرغبون في خلق العلاقات العاطفية..
كانت هناك أيضا بعض الوكالات الخيرية المتخصصة في نفس المجال والتي لها مطبوعات متعددة، ولكن أنور لا يحبذ التعامل في مثل هذه القضايا عبر وسطاء..
في مكان عمله أصبح يسرح كثيرا، فقد تملكه موضوع الزواج وشغل عليه باله، وفي المناسبات والحفلات التي كان يذهب إليها كانت نظراته تحمل معاني الوحدة والضياع.. فكان ينقّل عينيه بين الجالسات والواقفات، يتحدث مع فتاة أمامه وعيناه تنظران إلى ركن قصي لفتاة تجلس هناك.. في مطالعته لإعلانات العلاقات العاطفية كان يدون في مفكرته الملاحظات في جداول كان يرسمها لتسهيل مهمته في المقارنة والموازنة فكان يكتب سن الفتاة أو السيدة في عامود ثم مهنتها في عامود ولونها وجنسيتها في عامود آخر وهكذا حتى توفرت عنده عدة قوائم، كان يكتب في أعلى كل قائمة مصدر المعلومات والتاريخ.. في تحليله للمعلومات كان أنور قد توصل إلى نتائج مذهلة جعلت منه خبيرا دون أن يدري فقد توصل إلى أن نسبة أكثر من 90% من النساء يفضلن علاقة عاطفية طويلة ولكن بعد التأكد من الطرف الآخر.. وتبين له أيضا أن عامل اللون والدين والجنس لا تعني الكثير لأكثر من 80%من النساء خاصة صغيرات السن.. وأما القاسم المشترك لكل هذه الدعوات العاطفية فهي تشترط أن يكون الشخص ظريفا خفيف الظل يجيد الدعابة..

صاحبنا أنور لم يكن من الذين يجيدون الدعابة كما أنه كان يفتقر لطلاوة الحديث.. حاول أن يطاوع نفسه فيصبح بشوشا إلا أنه أصبح طاردا للناس أكثر من ذي قبل وعندما نبهه أصدقاءه المقربين كان قد فقد الكثير.. كان أنور يقف خاصة عند قائمة التخصص كثيرا، فهناك الصحفية، والفنانة، والتي تعمل في الخدمة المدنية، وربة البيت وحتى الطالبة.. أما في عامود الامتيازات فهناك من تقول أنها تملك منزلا وعربة وحصان!! وهناك من تمتلك منزلا ريفيا، ومنهن من ينتظرن أول طارق بحفل صغير، أيضا هناك ممن تصر على أن يكون الطارق يمتلك سيارة.. كان أنور يريد زوجة لا علاقة عابرة بامرأة – وما أكثرهن إذا أراد – فهو يريد أن يكون لمساره هدف ولحياته معنى.. نصحه بعض أصدقاءه المتزوجين بأن يتعظ من تجاربهم ويتناسى هذا الأمر.. في إحدى الصباحيات الشتوية والعتمة ما تزال تخيم على المدينة، صحا أنور على صوت كأنه صهيل مخنوق عرف لاحقا أنه صادر عن وضع ساعي البريد لبعض الرسائل عبر النافذة الضيقة ذات الغطاء النحاسي المثبتة في الباب الخارجي والمخصصة للرسائل.. هذا الصوت يحدث دائما عند ولوج الرسائل عبرها.. كان اليوم هو أول أيام العطلة الأسبوعية والساعة تقترب من التاسعة صباحا، نهض أنور بتكاسل واتجه صوب باب الشقة فجمع الرسائل الملقاة على أرضية الغرفة ووضعها على المنضدة دون أن ينظر إليها ثم قفل راجعا إلى سريره مرة أخرى.. لم يستطع مواصلة النوم فنهض متكاسلا متثائبا متجها صوب الحمام حيث اغتسل ثم أعد لنفسه كوبا من الشاي وأخذ يقلب الرسائل واحدة بعد الأخرى..

كانت بعض الرسائل من شركات التسويق معلنة بخطوط عريضة مغطية كل الرسالة عن تخفيضات في سلعها.. وضع أنور تلك الرسائل جانبا ثم نظر إلى رسالة فضية اللون كتب عليها بعناية اسمه وعنوانه بحبر أخضر اللون وبخط جميل.. وضع أنور كوب الشاي على المنضدة بعد أن أخذ رشفة سريعة منه ثم أمسل الرسالة بكلتا يديه وهو يقلبها في كفيه..

ل م يكن هناك عنوان أو اسم للراسل على ركن الرسالة وفشلت محاولاته للتعرف على الشخص صاحب الرسالة من خلال الخط.. أخيرا فض أنور الرسالة والتهمها بنهم.. كانت الرسالة عبارة عن بضعة أسطر مبتدئة بتحية ثم بتعريف مقتضب ثم موعد ومكان للمقابلة ردا على إعلانه الذي نشره في صحيفة الأوبزيرفر.. قرأ أنور الرسالة عشرات المرات ووقف كثيرا في ذكر الرسالة أن يكون الموعد مساء نفس اليوم في المتحف البريطاني، قسم الحضارة النوبية الساعة الرابعة مساء.
قام أنور بعملية حسابية سريعة في ذهنه فوجد أنه يحتاج لساعة من الزمان للوصول للمتحف وساعة أخرى للحمام وساعة ثالثة لاختيار الملابس اللائقة لهذا اليوم الكبير.. فالتدقيق والتوفيق في اختيار الملابس ليس بالعمل السهل لهذه المناسبة..

قبل الموعد المحدد بساعة من الزمان كان أنور يدرس تضاريس الموقع المتفق عليه وكان الشيء الذي يثير حنقه هو وجود قسم الحضارة النوبية ضمن جناح المصريات.. ويذكر أنه سأل أول مرة يزور المتحف أحد المشرفين على القسم عن عدم وجود قسم منفصل للحضارة النوبية، ألا تستحق ذلك؟؟ أجاب المشرف بأدب بأنه سوف يرفع ملاحظاته للمسئولين.. وبما أن اليوم كان يوم عطلة فقد كان المتحف مكتظا بالزائرين والسياح.. كان أنو يجد صعوبة في مراقبة قسم الحضارة النوبية، فقد كانت هناك جموع من السياح يا بانيين وإيطاليين وألمان وثلة من الأمريكيين السود.. وقفت كثيرا أمام عظمة تلك الحضارة السوداء.. كانت مجموعة الأمريكيين السود أكثر السياح انبهارا. فهم من كبار السن وكانت مرشدتهم امرأة سوداء عجوز تشرح لهم في تباه مشيرة إلى حضارة مروي: "هذه حضارة الإنسان الأسود... هذه حضارتنا منذ آلاف السنين"،
فأشعلوا القسم ضياءا بانوار آلات تصويرهم بعد أن علت شفاههم ابتسامات عراض.. هناك فتاة حليقة الرأس قد جاوزت الثلاثين من العمر بقليل، كانت ترتدي بنطلونا من الجينز قدّ من ركبتيه عن قصد، فوقه قميص مبرقع ترتديه عادة القوات الخاصة مفتوح من أعلى وحتى أسفله، ومعقود طرفيه. كانت ترتدي تحت القميص بلوفر أبيض مطبوعة به بعض الكلمات المتداخلة بعدة لغات.. هذه الفتاة كانت منهمكة مع كاميرة فيديو في التصوير وهي لا تخفي تذمرها من الزحام. لم يعير أنور هذه الفتاة أي التفاتة فهو مشغول بأمر فتاته حيث أزفت ساعته وبدأ زائغ البصر يبحث وسط الزائرين. نظر مرة أخرى تجاه أحد الأركان فشاهد تلك الفتاة منبطحة أرضا تبحث عن أفضل الزوايا لتصوير بعض المقاطع، استهجن أنور هذه الموقف وسأ ل نفسه عن سّر هذا التناقض بين كاميرة الفيديو وبنطلون الجينز المقدود والرأس الحليق!!؟؟.. بعد برهة من الزمان رحل السياح من القسم وبقيت الفتاة وحدها منهمكة في عملها، وأنور ينظر إلى ساعته التي جاوزت موعد اللقاء بدقيقة واحدة.... كان أنور قد أعطى ظهره للفتاة التي كانت قد انتهت من التصوير فبدأت في حزم أشيائها بعناية.. نظرت إلى ساعتها ثم تلفتت ثم توجهت صوب أنور الذي ما زال واقفا بالاتجاه المعاكس لها.
اقتربت الفتاة منه وسألته إن كان هو الشخص الذي نشر الإعلان في صحيفة الأوبزيرفر. دار أنور نصف دائرة ونظر متمعنا فيها ثم نظر إلى بنطلون الجينز المقدود وإلى قميصها المعقوف في أسفله ثم رفع بصره إلى وجهها المستدير وعينيها الزرقاوين وأنفها الدقيق فرأى خاتما فضيا مغروسا في حاجبها الأيمن!! أجابها بزفرة: لا... ليس أنا!! ثم اتجه صوب بوابة الخروج جارا أذيال خيبته متمتما بكلمات تنم عن سخط وتلعن حظه العاثر.. فجأة سمع أنور صوتا ينادي: بروفيسور.. بروفيسور... التفت أنور ليستجلي الأمر.. فهو ليس بروفيسورا، ولم تكن الدراسات العليا في يوم من الأيام من أولوياته..
كان الشخص المعني هي فتاته التي أنكر موعده معها.. وقف هنيئهة، نظر إليها، فنظرت إليه.. ثم هزّ رأسه وواصل سيره صوب بوابة الخروج..
انتهت.. أغسطس 1996، لندن







قوس قزح

جلس أمامه وبعد تعريف قصير أخبره مسئول صفحة المنوعات في صحيفة البحيرة أن سياسة الصحيفة هي مساعدة الأقلام الناهضة ورعايتها، وذلك بتخصيص الحيز المناسب لنشر موادهم... لماذا؟؟ لأنهم حملة مشاعل الغد!!
ثم واصل حديثه بعد أن تغيرت نبرات صوته: ولكن لا بد أن تخبرنا قبل الشروع في كتابة أي مادة، حتى لا يكون هناك تضارب مع كتاب آخرين.. ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته التي شارفت على نهايتها.. طبيعي أن تكون سمعت بمكانة صحيفتنا الذائعة الصيت! أوضح مسئول الصفحة.. لم يكن مختار الريح مرتاحا لحديث مسئول الصفحة فقد كان شاردا عنه كليا، فهذا الحديث قد سمعه ألف مرة عندما زار من قبل صحف الهلال والجزيرة والنيل.. وبدأ له كأن هذه الصحف ما هي إلا صحيفة واحد!!..
كان أشد ما يضايقه هو السؤال عن جنسيته، وكان يغيظه الإجابة الجاهزة من السائل قبل أن يقول شيئا.. يقولون له: الأخ طبعا من السودان!! أليس كذلك؟؟ والله ناس عظام وإخوة شرفاء!.. كان مختار لا يقول أي شيء، ويظل ينظر في صمت داخل عيون المسئول الصحفي كأنه يبحث عن أشياء أخرى بعيدة، ماسحا فمه بيده اليمنى..
كان مختار كثيرا ما يعتذر عن تناول الشاي أو القهوة في المقابلات التي كانت تتم معه في الصحف التي كان يزورها للبحث عن وظيفة ... نهض مختار من مقعده فجأة ثم شكر مسئول الصفحة ووعده بالاتصال به عندما يجد شيء!! ثم همّ بالانصراف.. إلا أن المسئول أشار عليه بيده بأن ينتظر لحظات، بعد أن تحدث المسئول في همس مع شخص كان يشاركه المكتب نهض وصحب مختار إلى باب الخروج ، بعد أن مرا بدهاليز وأبواب إليكترونية.. كان أثناء خروجهما يحيي المسئول بعض العاملين من العرب والإنجليز.. عندما وصلا البوابة الرئيسية وقبل أن ينصرف مختار قال له المسئول: شد حيلك، نحن في انتظارك!!
ذهب مختار في صمت ولم يقل شيئا وسرعان ما توارى وابتلعه الزحام.. كانت في رأسه أشياء كثيرة ومبعثرة.. فأي مكان يقصد؟؟ سأل مختار نفسه؟؟ إلى هايدبارك؟؟ لا، لن أذهب إلى هناك فذلك المكان أصبح يجلب السأم بعد أن طارت منه الدهشة.. ثم حدثته نفسه بأن يذهب إلى منطقة كوفنت قاردن، حيث الموسيقي والألعاب السحرية والمعارض المجانية..
مرة أخرى صرف النظر عن هذه الفكرة عند تذكره الزحام ومقته له.. فجأة لمع بريق في عينيه فقد تذكر ذلك الرجل العجوز الذي يتجول في منطقة البيكاديلي وهو يحمل لافتته الشهيرة قرابة النصف قرن محذرا فيها من تناول الدهون.. فهو يعرف ذلك الرجل فقد تحدث معه من قبل..
هذا صيد ثمين، سرها مختار في نفسه.. فجأة أسرعت خطواته وعلت أنفاسه بعد أن دار نصف دائرة، متجها من الجنوب إلى الشمال فارتسمت على وجهه ابتسامة سرعان ما تبددت عندما تذكر أن مسئول الصفحة أخبره بالاتصال به قبل الشروع في بداية أي عمل..
لا لن أخبره فهذه فكرتي وأنا صاحبها، قال لنفسه.. ثم أردف لن أخبره مهما حدث فهؤلاء الموظفين أنا أعرفهم جيدا.. ثم هز رأسه وكأنه اهتدى إلى شيء ثمين..
للوصول على ذلك الرجل كان عليه أن يستقل قطار المترو من أقرب محطة.. لم تكن محطة القطار قريبة منه خاصة أنه كان يريد التجول في منطقة بعيدة من محطات المترو، لكنه لم يكن قد عزم على جهة يقصدها بعينها..
تسارعت خطواته نحو المحطة …شدّ بنطاله إلى أعلى وهو يسرع الخطى وجد أن عليه بين الفينة والأخرى أن يقوم بهذا العمل الغير مريح.
كان قد استيقظ مبكرا لهذا اليوم بعد أن أخبر صديقه أرباب الذي يسكن معه أنه في حاجة ماسة لبنطال جديد.. أشار عليه أرباب أن يختار ما يراه مناسبا، هو يعرف أرباب منذ أن وطئت قدماه هذه البلاد، فأيادي أرباب البيضاء قد غمرته بالرعاية والمساعدة فكان أرباب يحضر له البيتزا يوميا في أواخر المساء من المقصف الذي يعمل به..
كان أرباب يخرج للعمل صباحا ويعود في أواخر المساء، ودائما ما يترك مختار نائما ويعود ويجده نائما أيضا، وكثيرا ما يتخاطبا بالرسائل، يتركاها في صندوق الشاي الفارغ المعلق بعناية على جدار المطبخ الذي ألصقت عليه ورقة بيضاء كتب عليها صندوق الرسائل..
ذكر أرباب في عطلة نهاية الأسبوع الماضي في حياء أنه لم يخرج ولم ير معالم مدينة لندن حتى الآن، وأنه لا يعرف شيئا عن المتاحف والقصور والمسارح ولم يزر معرضا واحدا.. حتى التلفزيون الذي يحبه كثيرا... لم يعد له وقت لمشاهدته.. كان أصحاب مختار يقولون له بأنه مشغول بجمع المال، ويداعبونه دائما بقولهم له: ليس بالمال وحده يحيا الإنسان..!
كان أرباب من المداومين على حضور جلسات مجموعة مختار الأدبية التي تنعقد في منزله في عطلة نهاية كل أسبوع.. ومع أنه لا يشارك في الحوارات والنقاش إلا أنه كان يستمتع بها ويحرص على توفير كل مستلزمات الضيافة..
أخيرا وصل مختار محطة المترو، ما هذا الزحام؟؟ لعنة الله على الزحام، حدثته نفسه.. ثم بسخرية الإنجليز: يتزاحمون ها.... آه عرفت سبب الزحام هذا وقت انتهاء دوام العمل.. ثم واصل حديثه لنفسه: سبحان الله، أنظر للشمس ما زالت في كبد السماء مع أن الساعة قد جاوزت الخامسة بقليل.. أفسح مختار الطريق لامرأة تسير بخطى متسارعة أقرب إلى العدو، ثم بعد برهة تخطاه بخشونة ظاهرة رجلا غليظ القلب والجسد، حليق الرأس واضعا قرطا في إحدى أذنيه ويحمل في يده صحيفة شعبية من النوع الرخيص..
لحسن الحظ وجد مختار أن هناك قطارا يوشك على التحرك، وبسرعة أخترق الحشود بعد أن حمل نفسه حملا حتى وجد بعد جهد موطئ قدم، فدفعه الزحام على الوقوف في شكل علامة استفهام توشك على السقوط على قفاها، ومع ذلك كانت عيونه تتجول بين الواقفين والجالسين!!..
بعد مدة ظنها مختار سنينا وصل القطار مقصده فخرج مختار مسرعا ليتنفس الصعداء فقد كادت روحه أن تخرج.. شد بنطاله إلى أعلى ومسح وجهه بيده ثم فرك عينيه فاعتدلت خطواته وواصل سيره.. تحسس قلمه الموضوع بعناية في جيبه، ولكن أين الأوراق؟؟ يا إلهي ليست معي أوراق!! ماذا أفعل؟؟
لا بأس.. سوف أشتري كراسة أوراق من النوع الرخيص.. توجه إلى محل صغير لبيع الأدوات المكتبية والصحف والحلوى فاشترى ما يريده وتوجه قاصدا الرجل العجوز..
وجد مختار الرجل العجوز يحزم أشياءه ويهم بمغادرة المكان، فخاطبه بتحية حارة تبين أن هناك غرضا ما يجهل الرجل العجوز كنهه.. شرح مختار للعجوز أهداف زيارته له في هذا الوقت المتأخر، فهو من صحيفة البحيرة التي تصدر من لندن وهي صحيفة عربية عالمية تطبع في قارات الدنيا الخمس في وقت واحد!! لم يعلق الرجل العجوز على هذه المقدمة الطويلة فاكتفى بالإجابة على الأسئلة ثم انصرف لحاله..
تحسر مختار لأنه لم يكن يملك كاميرا فالصور مع هذا اللقاء سوف تعطي هذه المقابلة نكهة ومذاقا خاصا، فهو يعرف لغة الصحافة.. شعر مختار أنه قد أنجز عملا رائعا سوف يساعده حتما في نشر هذه المادة التي هي جديدة على قراء العربية!! فكم كانت له ملاحظات حول المنثور في الصحف العربية.. !
رجع مختار إلى منزله متعبا.. خلع ملابسه بتكاسل ثم ذهب فاغتسل فتناول شيئا من الطعام، بعد ذلك قام بترتيب وإعادة صياغة المقابلة ثم وضعها في مكان أمين انتظارا لفجر الغد.. تردد في أن يصنع لنفسه كوب شاي ثم صرف النظر عنه، فهذا لن يساعده في ترتيب أفكاره المبعثرة، ثم هو أيضا يريد أن ينام مبكرا، سمع مقدمة أخبار نشرة التلفزيون ثم توجه إلى غرفته لينام..
في الصباح الباكر وبعد تناول طعام إفطار خفيف مع كوب من الشاي، ارتدى ملابسه ذاتها على عجل ثم خرج مهرولا ليتصل هاتفيا بمسئول الصفحة ويخبره بالصيد الثمين الذي أتى به للصحيفة.. الهاتف الذي بالمنزل يستقبل فقط المحادثات.. في طريقه لهاتف الشارع كان لا بد أن يحمل معه بعض النقود المعدنية، فأخذها من أصيص الزهور الفارغ الموضوع فوق جهاز التلفزيون الذي كانت توضع فيه..
وصل مختار إلى صندوق الهاتف الذي لا يبعد كثيرا عن المنزل.. وجد الهاتف خاليا من الناس فقد كان الوقت صباحا، فسرّ لذلك..
اتصل بمكتب الصحيفة فقام عامل التلفونات بتوصيله بهاتف مسئول صفحة المنوعات فبادر مختار قائلا بصوت متمكن: صباح الخير يا أستاذ، أنا مختار وقد وجدت لك صيدا ثمينا.. كتبت لكم موضوعا قيما عن الهايد بارك وأركان النقاش التي تقام هناك أسبوعيا..
لا يا حبيبي........ هذا الموضوع "مضروب"!! قال مسئول الصحيفة بفتور شديد.. أجاب مختار بنبرة تحدي: لا بأس.... هناك موضوع آخر وهو المهرجان السنوي الذي يقام في نوتنق هيل قيت..
يا حبيبي أنت شخص تقليدي جدا.. ألا تتابع ما يكتب في الصحف العربية؟؟ أجاب المسئول.. شعر مختار وكأن مسئول الصفحة يريد أن ينهي المحادثة الهاتفية معه..
لم تهن عزيمة مختار فأطلق ضحكة باهتة ثم قال: لا بأس يا أستاذ.. هناك موضوع أعتبره أنا موضوعا متفردا.. شعر مختار بأنه ما زال يملك زمام المبادرة... ولكن كان يضايقه بأن المسئول قد بدا صبره ينفذ وحماسه يخبو.. علي أن أفجر المفاجأة الآن – قال لنفسه – ثم بسرعة خاطفة بعد أن وضع مزيدا من النقود المعدنية في جهاز الهاتف: أنت معايا يا أستاذ..! رد عليه مسئول الصفحة بعد برهة بتكاسل: نعم معاك يا أستاذ!! قال مختار بعد أن شعر بامتعاض من رد المسئول:
هناك موضوع لم يتناوله أي شخص من قبل، ثم أردف ، على ما أعتقد.. قالها وقد خرجت من فمه قسرا كأنه يريد شيئا من التواضع المصنوع وهو ما يزال يواصل حديثه مع المسئول..
لقد قمت بإجراء مقابلة مهمة مع شخص يدعو إلى الكف عن تناول الدهون والدسم وهو يدعو لهذا الأمر لنصف قرن من الزمان.. وللأسف لم تكن معي كاميرا لآخذ منه بعض الصور..
يا حبيبي.... هذه المقابلة أمامي هنا الآن، فقد قام بها أحد كتابنا النشطين!!
لم يصدق مختار أذنيه، فرد المسئول مرة ثانية.. لم يسمع مختار منه شيئا فقد أصابه الوجوم..
مرت فترة صمت ثقيلة قطعها مختار شاكرا المسئول ثم أنهى المحادثة.. وقف مختار لمدة وجيزة وبدأ يهز رأسه بين لحظة وأخرى حتى تغيرت ملامح وجهه وغلي الدم في عروقه..
انصرف مختار نحو المنزل يجرجر أذيال الخيبة.. عندما وصل المنزل أخذ ورقة وقلما وكتب مذكرة لصديقه أرباب ووضعها في صندوق الرسائل المعروف.. تذكر مختار أن أرباب كان قد أخبره من قبل بأن المقصف الذي يعمل به في حاجة إلى عمال.. فكانت المذكرة تسأل أرباب عن تلك الوظائف.. جلس مختار بعد ذلك في الصالون لبرهة من الوقت لا يعرف ماذا يفعل!!
نهض مرة أخرى من مكانه وتوجه إلى حيث صندوق الرسائل وأخذ المذكرة ووضعها في جيبه وقال مخاطبا نفسه: لماذا أكتب مذكرة لأرباب؟؟ سوف أحدثه بنفسي، فأنا اليوم سوف أنتظره حتى يأتي.. إنتهت.. لندن، يونيو 1995


نصوص قصصية

(1)
قالت له: فاستمع.. ثم قالت: فسكت.. فقالت له: فأطرق.. ثم قال فانصرفت..
(2)
أل وبحث وأوصى.. كيف يسد أوده؟؟ لك ساعد مفتول وجسم رياضي فلماذا لا تجرب حظك في الملاكمة؟؟ رد عليه: ولكن أنا شاعر
مطبوع.. قال: وأنا ناقد وقاص، كنت!!
(3)
جحظت العينان وبلغ القلب الحنجرة ووصلت الروح الحلقوم.. سألت الكبد في هلع الكلية اليمنى، ماذا يجري هنا؟؟ أجابت الكلية اليمنى: إن صاحبنا يريد الانتحار!! ولكنه لم يشاورنا؟؟ قالت الكبد.. الكلية اليمنى: ومتى كان يشاور؟؟ ألم يتبرع بأختي الكلية اليسرى ونحن نشكو العطش.. الكبد متمتمة: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

(4)عند تقاطع خط قطار البيكاديللي مع الخط الشمالي، في محطة كنغزكروس، تشاجر عازف المزمار مع عازف الكمان، في أحقية أي منهما في هذا الموقع الاستراتيجي.. وبعد أن اتفقا على العزف سويا واقتسام المبلغ.... حضر رجل الشرطة.. لندن، يناير/ يونيو 1995

نظرية الوجه والحذاء

أخذ رشفة سريعة من كوب الشاي الذي أمامه ثم أعقبها بقضمة أسرع من قطعة الخبز الطرية الملفوفة بعناية في ورق السلوفان الملون، ثم خرج مهرولا نحو محطة فلهام برودواي لقطارات المترو.. كان قد تأخر كثيرا عن مكان عمله الذي يرقد في الطرف الآخر لمدينة لندن، وعليه قطع كذا وعشرين محطة حتى يصل إلى مصنع المياه الغازية ويتسلم وردية عمله الصباحية..
كانت هناك عادة تلازمه دوما في ذهابه وإيابه للعمل.. فقد كان يتفرس في وجوه ركاب القطار مقارنا بينها وبين أحذيتهم.. فهناك شيء غريب يدفعه إلى أن يفصح بأن علاقة ما بين الوجوه والأحذية.. كان في أيامه الأولى ومنذ أن بدأ في دراسة نظريته على الواقع يمسك عن هذا الشيء، ولكن مع مرور الزمن وبكثير من التمعن والتمحيص في دراسة النظرية توصل إلى الحقيقة واكتشف أنه على حق وأنه وجد الحقيقة..
هذا الرجل البدين الذي ينضح وجهه دهنا ينتعل حذاءا سميكا منتفخا.. وهذه المرأة ذات الوجه القمري تنتعل حذاءا قمريا..
أما هذا الشاب النحيل المسلوب الوجه إلى أعلى فينتعل حذاءا مدببا حادا كأنه خنجرا زيديا.. عندما كان يختلس النظرات ليرى هذه المرأة البدينة ووجهها المستدير المفلطح، كان يسبقه حدسه للوصول إلى النتيجة التي أصبحت عنده بداهة مسلم بها، لا بد أن يكون حذاءها مفلطحا.. نظر في سرعة خاطفة نحو اليمين ثم بهدوء ماكر إلى أخمص قدميها فوجد الحقيقة ذاتها ماثلة أمامه.. علت وجهه ابتسامة نجاح ورضا..
وبينما هو في شغل من أمر نظريته وإجراء التجارب على الواقع إذا بحذاء ثقيل عريض حجري اللون يهرس رجله اليمنى.. شعر بألم شديد وغصة مرة في حلقه..
نظر مرة أخرى إلى رجله المهروسة في شفقة، ثم قطب حاجبيه ليرى صاحب الحذاء الحجري، الذي كان قد خطى مسرعا نحو باب القطار يريد المحطة القادمة دون أن يتفوه بكلمة اعتذار..
عندما نظر مرة أخرى لرجله وجد ويا لهول الصدمة!! وجد أنه ينتعل زوج حذاء مختلفة يمناه عن يسراه في الشكل واللون والاتجاه!!
يا إلهي ما هذا؟؟...... كيف يخرج من هذه الورطة القاسية عليه هو بالذات؟؟ قام بحسابات سريعة وخاطفة فتوصل إلى أن لا يعير هذا الأمر أي انتباه.. ولكن وجد مجموعة من ركاب القطار ينظرون إليه في نظرات سريعة ومترددة وهو يعرف مغذى هذه النظرات جيدا، بمختلف أشكالها وتقنيناتها طولية أو مترددة أو بندولية.. عدل في جلسته ووضع رجلا فوق رجل ثم بادر بالتحدث مع الرجل الذي يجلس قبالته مباشرة.. الذي ينتعل حذاءا أسودا يشع لمعانا، ويضع في حجره حقيبة فاخرة ويتصفح في صحيفة يبدو من مظهره كأنه أحد موظفي البنوك أو شركات التأمين لأنه كان ينظر بعمق بعد أن دفن رأسه في صفحة أخبار المال والاقتصاد..
قال له صاحبنا: هل تعرفني؟؟ أجاب الرجل: هل تتحدث معي؟؟ فقال له: نعم.. أتحدث إليك، طبعا أنت تعرفني... فأنا صاحب الوجه والحذاء!! إنتهت.. لندن، أبريل 1995



بيت التوائم

في مائدة طعام العشاء التي أعدت بعناية وزينتها شموع ملونة جلس رب الأسرة وبجانبه جلست إبنته التوأم بينما جس شقيقها التوأم قبالتها.. كانت آخر الجالسين الزوجة سارة التي جلست قبالة زوجها مايكل ويسلي.. تحدث الزوج الذي يعمل أخصائيا نفسيا عن يوم عمله في الذي قضاه في المستشفى التي تقع في شمال لندن....
كانت سارة تسمع لبعض الوقت ثم تقاطع زوجها بأسئلة توجه بها دفة الحديث لمقاصد كانت تبتغيها، بينما انشغل التوأم بالحديث في موضوع آخر ليس له علاقة بالنقاش الدائر حول المائدة.. دخلت المنزل في هذه الأثناء ماغي، وصعدت إلى غرفتها التي تستأجرها من الأسرة بعد أن حيت الأسرة بتحية مقتضبة..
لقد عادت ماغي اليوم مبكرة جدا، فأنا لا أراها بل أسمع وقع خطاها على الدرج عندما تخرج.. سارة: إنها تعمل طوال اليوم فهي تأتي متعبة ومرهقة..
سارة ولسلي تقوم بالتدريس في مدرسة لا تبعد كثيرا عن المنزل الذي يقطنونه وتصطحب معها التوأمين اللذين يبلغا من العمر الثماني سنوات وهما يدرسان في نفس المدرسة.. كانت سارة قد تعرفت على زوجها مايكل في حفل كانت قد ذهبت له مع شقيقتها التوأم فهي تعمل في نفس المستشفى التي يعمل بها مايكل.. كانت سارة تقطع حديثها للتوأم في لهجة آمرة بأن يتناولا طعامهما ويتركا الغناء واللهو وتذكرهما بأن ميعاد نومهما قد حان..
فجأة دق جرس الهاتف، وكان مايكل بالقرب من جهاز الهاتف النقال، فأخذ الهاتف ورد على المحادثة.. كانت على الخط شقيقة سارة التوأم وبعد أنم حياها وسألها عن أحوالها ناول الجهاز لزوجته سارة فحيت شقيقتها ثم قالت لها بأنها كانت تريد زيارتها في عطلة الأسبوع الماضي إلا أنها لم تكن على ما يرام فقد أصابتها نزلة برد.. ختمت سارة حديثها لشقيقتها بأنها سوف تراها قريبا.. بعد قليل انصرف الطفلان التوأم للنوم بعد أن قبلا والديهما.. وعدتهما سارة بأنها سوف تلتحق بهما بعد دقيقة لتحكي كالمعتاد لهما قصة قبل النوم..
قالت سارة لزوجها إنك منذ مدة وأنت لا تتناول طعام العشاء معنا هنا.. فهل أنت على ما يرام؟؟ أجاب مايكل بأنه مشغول في العمل ويريد أن ينجز العمل الذي في يده. لم تقتنع سارة بإجابة زوجها، فواصلت في استفساراتها؛ ولكني اتصلت عدة مرات بالمستشفى ولم تكن موجودا هناك؟؟!! أجاب مايكل بأنه أحيانا يخرج من المستشفى لقضاء بعض الأعمال التي تخص العمل.. كانت سارة شاردة الذهن، وبدا على وجهها عدم تصديق رواية زوجها فهي نفس الإجابة التي تعودت على سماعها كل مرة..
اقترحت سارة على زوجها مايكل أخذ إجازة وأن يذهبا لقضاء بعض الوقت سويا.. أجاب مايكل بأنه لا يقدر أن يأخذ إجازة في الوقت الراهن فهناك الكثير الذي يجب إنجازه قبل التفكير في أي شيء..
لم تكن سارة مهيأة لسماع أي أطروحات مضادة لما كانت تعتقده.. فهي تظن أنها تريد إنقاذ مملكتها التي تراها تتجه نحو الهاوية..
نهضت سارة فجأة وتوجهت نحو غرفة التوأم دون التفوه بكلمة واختفت هناك.. في اليوم التالي لم تكن الأمور تسير على ما يرام، فقد أضمرت سارة في نفسها شيئا تمثل في أخذ أبنيها بعد انتهاء اليوم الدراسي والذهاب إلى منزل شقيقتها التوأم.. تضايقت سارة من تصرفات زوجها فقررت ترك رسالة له تخبره بأنها تركت المنزل لأنها تجد صعوبة كبيرة في العيش معه تحت سقف واحد!!
أحتار مايكل عندما وجد الرسالة فماذا يعمل؟؟ فقد أصابه الضجر والضيق.. كان يوم عمله في المستشفى مزريا لاحظ العاملون توتره وشروده وتحدث معه البعض إلا أن حالته لم تتغير..
في المساء عاد إلى المنزل بعد أن أحضر معه بعض الطعام الجاهز. حاول الاتصال هاتفيا بسارة في منزل شقيقتها التوأم إلا أنها رفضت التحدث معه.. ظل مايكل يكرر محاولات الاتصال والنتيجة ما تزال سلبية.. لم يغير مايكل ملابس عمله وظل على هذه الحالة حتى وقتا متأخرا من الليل.. إتجه نحو خزينة الخمور الموضوعة في صدر غرفة الجلوس وقام بإحضار زجاجة من الويسكي وأخذ يحتسي منها من دون أي نشوى.. ظل على هذا المنوال حتى قرابة منتصف الليل..
دخلت ماجي بهدوء وحذر ودلفت إلى داخل المنزل على أمشاط أصابعها لا تريد أن توقظ أحدا في هذا الوقت المتأخر من الليل.. تستأجر ماجي غرفة من منزل أسرة مايكل التي تحتل الطابق الأرضي.. للوصول لغرفتها لا بد من الدخول بالباب الرئيسي ثم الصعود إلى غرفتها.. لذا فهي تحاول بقدر الإمكان ألا تحدث أي ضجيجي في خروجها أو عودتها..
ولكن في هذه الليلة وجدت مايكل يقظا وجالسا متوسطا منضدة السفرة في المطبخ التي تواجه الباب الرئيسي للمنزل فأصابتها الدهشة وتداركتها بتحية مقتضبة لمايكل ثم همت بالصعود إلى غرفتها إلا أن مايكل دعاها لمشاركته الجلوس..
وافقت ماجي على مضض وهي تحاول أن تواري تعبها بنصف ابتسامة مصطنعة.. ماجي: لم أكن أتوقع أن تكون ساهرا حتى هذا الوقت المتأخر من الليل؟؟ أجاب مايكل دون أن ينظر في وجهها بأن سارة والتوأم غادروا المنزل!! ماجي: ماذا حدث؟؟ مايكل: تناقشنا مساء الأمس فوجدت صباح اليوم التالي مذكرة منها تقول بأنها تركت المنزل وذهبت لمنزل شقيقتها التوأم.. ماجي: ألم تتصل بها؟؟ مايكل: عدة مرات إلا أنها لا تريد الحديث معي.. ماجي: ألم تفكر في الذهاب لها والتحدث إليها؟؟ مايكل: كنت مشغولا طوال اليوم وأفكر في الذهاب إليها إلا أنني أخشى أن تصدني.. ماجي: لا بأس ولكن حاول أن تزورها وتتحدث معها.. وسأحاول أنا الاتصال بها بدوري فبيننا علاقة ود.. مايكل: أرجو ذلك يا ماجي، يبدو عليك أنك متعبة يمكنك الذهاب وأخذ قسط من الراحة.. ماجي: حسنا سوف أذهب وسأحاول الاتصال بسارة غدا. في مساء اليوم التالي وقد كاد الليل أن يلفظ أنفاسه كان مايكل ما يزال في نفس حالته الأولى يرتدي ملابس العمل وأمامه زجاجة الويسكي وبدأ وجهه عابسا تائها.. هنا انفتح الباب ودخل في هدوء شبح شخص بادره مايكل بالتحية دون أن يكلف نفسه النظر إليه فهي حتما ماجي ومن غيرها؟؟ ثم سألها إن كانت قد اتصلت بسارة كما وعدته أمس؟؟
لم تفهم سؤاله. فردده عليها مرة أخرى ضجرا.. فاستدركت بسرعة وأخبرته بأنها اليوم ليس على ما يرام فهي تشعر بآلام مبرحة في معدتها وأكدت له بأنها سوف تتصل بسارة غدا.. ثم اتجهت صاعدة إلى غرفتها مسرعة دون أن تدنو منه..
هز مايكل رأسه وسأل نفسه ماذا يجري في هذا المنزل؟؟ في الغرفة العلوية للمنزل فتح الباب ودلف ذاك الشبح إلى الداخل قاصدا السرير فقد كان خائر القوى من عناء عمل مرهق وطويل.. كان هناك أمرا آخر يشغل هذا الشبح من الإستغرق في النوم رغم حاجته الماسة له فاخذ يتقلب في السرير ولم ير طعما للنوم إلى أن سمع شقشقة العصافير معلنة عن سفور يوم جديد..

بعد مدة ليست بالقصيرة دخلت ماجي بحذر شديد وكانت دهشتها أنها لم تجد روزي جاهز للخروج لعملها ففغرت فاها مندهشة واتجهت مسرعة نحو السرير الوحيد الموجود في قلب الغرفة وحاولت أن توقظ روزي إلا أنها وجدتها مفتوحة العينين! وهي تصليها بنظرات حادة.. روزي، وهي تهمس في أذن ماجي: ماذا يجري؟؟ ماجي: ماذا تعنين؟؟ أمس سألني مايكل إذا كنت قد اتصلت بسارة؟؟
عضت ماجي شفتها ثم قالت – ما زال الحوار يدور همسا – آسفة جدا يا روزي نسيت أن أخبرك أن مايكل وسارة ليسا علي ما يرام وكنت قد وعدت أن أتصل بسارة فقد تركت المنزل ورحلت إلى منزل شقيقتها التوأم.
قالت روزي: هل تعرفي يا ماجي أنك وضعتني في موقف صعب للغاية خرجت منه بأعجوبة، وكاد سرنا أن ينكشف ويعرف مايكل بأننا توأمين نستأجر غرفة واحدة!! ماجي: آسفة يا روزي مرة أخرى. لكن أسرعي بالنهوض واذهبي إلى عملك واتركي لي السرير فانا أرتجف من التعب بعد أن ساخت قدماي من الوقوف طوال الليل..
لم يطب المقام لسارة في منزل شقيقتها التوأم فقد كانت في حيرة من أمرها، مشتتة الأفكار بينما ظل التوأمان يسألان عن والدهما.. ولماذا تركا المنزل؟؟ ومتى سيعودا؟؟
كانت سارة تجيب عليهما بأنها سوف تدبر الأمر ولن يستغرق ذلك وقتا طويلا.. وكانت كثيرا ما تصرفهما للذهاب واللعب مع طفلة شقيقتها جوان التي هي في نفس عمرها.. فهي تعاني الوحدة فقد انفصلت والدتها عن والدها منذ فترة طويلة..
وجد الطفلان التوأمان متسعا من الوقت للعب واللهو إلا أنهما لم يكونا مرتاحين في هذه البيئة الجديدة.. كانت شقيقة سارة تتحدث كثيرا مع سارة وتلومها على تسرعها في مغادرة المنزل.. فهي تعتقد أن مايكل ليس به عيب غير أنه مشغول طوال الوقت. ..كانت سارة تعرف هذه الحقيقة سلفا قبل الزواج.. كانت إجابة سارة بأنها لا تفهم ألا يكون للشخص وقت لأسرته ولبيته..
قالت سارة لشقيقتها بأنها بدأت في البحث عن سكن لها ولتوأميها.. لم توافق على هذه الفكرة وأخبرتها بأن منزلها يسعهم جميعا فهي تعيش لوحدها مع طفلتها جوان وأشارت عليها بصرف النظر عن هذا الموضوع..
أدارت شقيقة سارة جهاز آلة تسجيل الرسائل لتسمع إذا كانت هناك أي رسائل لها، كانت هناك رسالة مسجلة بصوت نسائي لها بلكنة أسترالية بعد أن ألقت التحية لناس المنزل تحدثت مخاطبة سارة قائلة لها بأنها سوف تزورها مساء اليوم للتحدث معها!!
أصابت سارة الدهشة وسألت شقيقتها إن كانت تعرف هذه المرأة.. أجابت شقيقتها بالنفي..
قالت سارة لشقيقتها لا بد أن تكون عشيقة لمايكل! يا ما كان قلبي يحدثني منذ فترة!! فطالما توجست من غيابه الكثير وحضوره في منتصف الليالي إلى المنزل. لا تتسرعي دعينا ننظر ونرى. أجابت روزي..
تملكت سارة الشكوك خاصة عندما لم يحاول مايكل زيارتهم في اليوم الأول لمغادرتهم المنزل. وكانت تقول لروزي بأنه لو كان مخلصا لي ومهتما بأولاده لزارنا في نفس اليوم. إن قلبي يحدثني منذ زمن بأن هناك امرأة ما في حياة مايكل. إن من العسير الوثوق في الرجال..
قالت روزي: ولكن لماذا تريد التحدث إليك هذه المرأة إن كانت هي عشيقة مايكل؟؟
سارة: ألا تعرفي؟؟ هذه فرصة ذهبية لها تريد اغتنامها، فهي تريد أن تقول لي أن علاقتها بدأت منذ فترة بمايكل حتى تضرب بيننا إسفينا للأبد، فهي تريده لوحدها.. وها قد جاءتها الفرصة وإلا فمن أين عرفت رقم الهاتف؟؟
روزي: هذا سؤال جيد فمن أين عرفت رقم الهاتف؟؟ ثم قالت مستطردة ولكن لماذا تقفزين إلى النتائج، فقد تكون صديقة تريد أن تصلح سارة: لا لا أعتقد ذلك، متى ستأتي لزيارتنا؟؟ روزي: سوف تحضر عند مواعيد الشاي حوالي الخامسة مساء.. فكرت سارة قليلا ثم قالت: حسنا سوف أعد عدتي لهذا اللقاء.. ثم واصلت حديثها وهي أيضا تعرف المنزل! كيف عرفت ذلك؟! لم يسع روزي إلا أن تقول: لننظر ونرى.. في حوالي الساعة الخامسة مساء دق جرس المنزل. قالت روزي سوف أفتح الباب، ثم ملتفتة إلى سارة: لا تقلقي دعينا نرى.. ثم توجهت نحو الباب.. عند الباب كان هناك مايكل تصحبه امرأة في نفس عمر مايكل تقريبا ترتدي ثيابا فاخرة.. رحبت روزي بمايكل وبالمرأة التي معه ودعتهما للدخول..
شاهد التوأم والدهما فاندفعا إليه في شوق وفرح غامر، كان مايكل أكثر شوقا لهما فقبلهما بحب وحنان ظاهر.. نادى الطفلان والدتهما بأن والدهما قد حضر.. حيا مايكل زوجته سارة فردت عليه بسلام فاتر ثم ردت على تحية تلك المرأة بتحية جافة ومصطنعة.. سارة: هل أنت إتصلت بي هنا؟؟ موجهة حديثها إلى المرأة وهي ما زالت تنظر إليها توجسا.. المرأة نعم. سارة: أعتقد أنك قمت بعمل غير لائق؟؟ المرأة: ماذا تقصدين بذلك؟؟ سارة: (وقد إختفت لمسة جمال وجهها الطفولي) لقد سرقت مني زوجي!! ألا تستحي بأن تتصلي بنا هاتفيا ثم تأتي لزيارتنا؟؟ المرأة: أعتقد بأن هناك سوء تفاهم يا سيدتي.. سارة: وهل أتيت هنا لتجلي الأمر؟؟ أنا أشك كثيرا في ذلك!! لقد سرقت زوجي.. وأنت يا مايكل ألا تستحي بأن تأتي نع هذه المرأة السارقة؟؟ المرأة: لو سمحت يا مدام، إنني لم أسرق منك زوجك. (ثم واصلت حديثها بعد أن أخذت نفسا طويلا) أنا لم أسرق زوجك يا عزيزتي ولكن أنت سرقت مني شقيقي التوأم!! فغرت سارة فاها وقطبت حاجبيها.. ثم ساد صمت لمدة من الزمان.. جالت سارة بنظرها نحو الحضور فالتقت نظراتها بنظرات زوجها الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة..
قال مايكل مخاطبا زوجته سارة أقدم لك شقيقتي التوأم ليليان التي حضرت من أستراليا، فهي هنا في زيارة قصيرة..
وكنت قد عرفت بأن لي شقيقة توأم مؤخرا، وكنت أريد أن أحدثك في تلك الليلة التي غضبت مني فيها، وقد حضرت أمس من أستراليا..
أيضا أحب أن أخبرك بأني قد نجحت بعد جهد أن أنتزع عطلة من العمل لتوافق عطلة المدارس، حتى نذهب جميعا إلى قبرص وقد حجزت التذاكر..
نظرت سارة إلى شقيقتها التوأم فابتسما، ثم توجهت إلى مايكل وعانقته وقبلته ثم توجهت إلى ليليان وعانقتها وقبلتها بعد أن رددت عدة كلمات تنم عن الأسف والاعتذار لها.
أخيرا توجهت سارة نحو شقيقتها التوأم فحضنتها وقبلتها. لم يدر الأطفال ماذا يجري هنا أمام أعينهم فقد كانوا في حيرة من أمرهم!!
قال مايكل مخاطبا أبناءه التوأم هيا بنا، هيا بنا نعود إلى منزلنا.. سارة: نعم هيا بنا يا أطفال إلى منزلنا.. بيت التوائم!!! مايكل: أخشى أن تكون ماجي التي تستأجر منا الغرفة العلوية توأم أيضا!! سارة: إذا كان كذلك فستكون حكايتنا مدهشة..!!
أنتهت لندن يونيو 1995




رنين

كان دائما يعتقد أنه صادق ومحب للخير وقنوع إلا أن عمله في متجر 711 بعد تردد لم يطل قد حتم عليه ترتيب بعض أموره.. فهو يريد إرسال المصاريف لـ (ناس البيت) ولكنه لا يملك شيئا جاهزا في يده..
ثم أن العمل الرسمي له قيوده وتبعاته، هذا غير الانتظار الطويل.. لم يدم حواره مع نفسه طويلا ثم حسم الأمر وعزم على أن يجرب العمل الهامشي بعد أن قابل صديقه زيدان في إحدى المناسبات.. العمل في المطاعم أو النظافة لا يروقه ويتحسس منه كثيرا فلماذا لا يجرب متجر 711 ويرى بنفسه ما ستؤول الأمور..
قال لصديقه زيدان أنه لا يعرف التعامل مع ماكينة النقود.. فأجابه زيدان بأن لا يقلق فهذا الأمر بسيط وكلنا مررنا بهذه التجربة ثم، مواصلا الحديث، وعلى العموم فهو عمل "ود ناس" وأحسن من الأعمال الأخرى!!
بدأ أزهري عمله في المتجر، وكان يزعجه كثيرا التفتيش الشخصي عند نهاية الدوام وكذلك لم يكن يرضى من العمل في بيع الخمور وكان يحاول أن يتحاشى ذلك بعدم الوقوف أمام ماكينة النقود حتى لا يطالبه أحد المشترين بزجاجة خمر من رف الخمور الذي يقبع مباشرة خلف ماكينة النقود.. كان أزهري قد إتفق مع زيدان، الذي لا يرى حرجا في بيع الخمور، بأن يتبادلا المواقع كلما سنحت الفرصة..
سأله زيدان يوما: ماذا أنت فاعل إذا تغير جدول عملك مع جدولي ولم تجد من يبيع لك الخمور؟؟ أزهري: لم أفكر في هذا الأمر من قبل، ثم مستطردا: الإشكال الآخر هو قدوم شهر رمضان.. زيدان: ماذا يعني قدوم رمضان؟؟ كان أزهري في هذا الأثناء منهمكا في وضع كميات من البضائع في الأرفف الفارغة فأوقف العمل لبرهة ناظرا نحو زيدان ثم أردف قائلا: في رمضان سيكون وضعي صعبا.. زيدان: وهل لك بديل؟؟ أزهري: لا... لا... أملك بديل.. زيدان: خلاص خذ إجازة.. أزهري: ولكن كيف؟؟ فأنا محتاج لأي قرش.. زيدان: (بحة ظاهرة) إذن واصل عملك واعمل كما يعمل عامة الناس! أوقف أزهري مرة أخرى العمل ونظر إلى زيدان كأنه يريد أن يسأله عن ماهية الشيء الذي يعمله الناس هنا في بريطانيا.. أجاب زيدان دون أن يسأله أزهري بصوت مشوب بغضب: يا أزهري الناس هنا يعملون كما يعمل أهل هذه البلاد! وكأنه يريد أن يقفل باب هذا الحوار الميت.. في اليوم التالي لم يحضر زيدان إلى المتجر فاضطر مدير المتجر للاتصال بإحدى العاملات وحثها على الحضور فورا إلى المتجر..
في هذا الوقت كان أزهري قد تسلم العمل ووقف خلف النقود في عبوس ظاهر.. لحسن حظه في الساعة التي مرت وهو يباشر عمله لم يطلب منه أحد خمرا حتى حضرت إحدى العاملات لتسد مكان زيدان الغائب..
انتهز أزهري الفرصة وأجلس العاملة خلف ماكينة النقود وهرول نحو البضائع التي ما يزال هناك بعض منها على الأرض ومنها توجه لترتيب الصحف والمجلات التي لم تكن محتاجة لشيء من هذا القبيل.. لم يخبر أزهري زميلته في العمل بأنه يتجنب ذاك المكان ولم تهتم هي بأن تسأل. في ذلك المساء تجمع رهط من الأصدقاء في منزل صديقه زيدان. كان من بينهم حسبو تاجر الشنطة الذي يعمل بين السودان وبريطانيا.. أوقف كثير من زملائه العمل في هذا المجال بعد أن ضيقت عليهم سلطات الجمارك الخناق إلا أن حسبو لم يوقف نشاطه، بل ازدهرت تجار ته وأصبحت اكبر حجما وأكثر فائدة. فأصبح يجوب جمهوريات روسيا ودول جنوب شرق آسيا ولم يكن يهتم لحديث الناس حول علاقته بالسلطات..
كان الشيء المثير لغضب أصدقاء حسبو هو متاجرته بأموال أصدقائه ومعارفه الذين كانوا يرسلون المصاريف لأهلهم وذويهم عبره ،فكان يؤخرهاا تأخيرا كبيرا وبعد ذلك يقوم بإيصالها ناقصة..غير أن ازهري لم يكن مندهشا من تصرفات حسبو فهو يعرف أنماطا من البشر على هذه الشاكلة.. الشيء الذي كان يثير حنقه هو كثرة لغو حسبو وخوضه في التحدث في كل شيء بعلم وبدون علم. هذا الشخص جاهل!... سرها أزهري في نفسه ...
همس زيدان في أذن أزهري "هذا الشخص ليس جاهلا. هذا الشخص مريض.."!!لم يمض وقت طويل حتى سأل حسبو أزهري عما إذا كانت له رغبة في إرسال بعض المصاريف لأهله في السودان؟
فأجاب أزهري بالنفي، وإن كان في خصاصة نفسه يريد ذلك ولكن ما لديه من معلومات عن حسبو وما رآه فيه وما سمع من أحاديثه جعلته لا يرغب في التعامل معه..
قبل أن ينتصف الليل عرض زيدان على أزهري أن يقض الليل معه فوافق خاصة أن اليوم كان نهاية عمله الأسبوعي..

كان هناك أيضا بعض أصدقاء زيدان ممن فضلوا أيضا قضاء الليل في منزله.. افترش بعضهم الأرض بعد أن تأبطوا بعضا من مفارش كراسي الجلوس. لم تكن هذه أول مرة يقضي فيها أزهري الليلة في منزل زيدان.. وبعد أن أكلوا وشربوا وتحدثوا وثرثروا حتى بعد أن أطفأوا الأنوار تواصل الحديث عن المرأة فتحدث أزهري عن علوية التي خطبها لها أهله وهي في انتظاره.. وتحدث سعد عن إقبال التي صارحها بحبه في خطاب وهو على وشك السفر فكاد قلبه أن ينخلع عندما وافقت وقبلت حبه..

أصابتهم الدهشة عندما اخبرهم زيدان بأنه كان على علاقة مع زميلة له في الجامعة استمرت حتى بعد التخرج وعندما قرر السفر قطع علاقته بها، معللا ذلك بأنه لا يعرف متى سوف يرجع. قال مستطردا إنكم تعرفون جميعا علاقتي بصديقتي هاريت وقد نتزوج في المستقبل. الشيء المهم هو أن أهلي أرسلوا لي بخصوص هذا الأمر يبدون امتعاضهم من علاقتي بهاريت.
بدأت ثرثرتهم متقطعة حينا من الزمن حتى خمدت نهائيا وغطوا في نوم عميق. فجأة والناس نيام جميعا صاح أحدهم ".... السايفون.... علوية..... السايفون..... علوية....!!!!!"..
نهض الجميع مذعورين فإذا بهم بأزهري مستيقظا من النوم ومعتذرا للجميع بأنه كان يحلم حلما مزعجا. لم تر عينا أزهري النوم بعد ذلك حتى الصبح، بينما رجع الجميع إلى النوم مرة أخرى.. كان أزهري يفكر طيلة الفترة التي شارف فيهات الصبح على السفور في موضوع علوية والسايفون. فقد أرسل له أهله بان يرسل لهم ماتيسر من المال لمواصلة بناء السايفون الذي بدا العمل فيه منذ مدة.. أيضا كانت تشغله أختيه بتول وبثينة اللتين لم يحالفهما الحظ في دخول الجامعة وكان قد وعدهما من قبل بأن يرسلهما للدراسة في الخارج على نفقته..

أما والدته فقد كانت في الفترة الأخيرة قد ضايقها مرض السكر ومتجر والده قد خلا من البضائع بعد أن ندرت وارتفعت أسعار السلع وقلّ عدد طلابها..
لم يعرف أصدقاء أزهري وخاصة زيدان بكل هذه الضغوط و الهموم الأسرية ذلك لأن لكلّ منهم كان له مثل مشاغل أزهري أو يزيد عنها أو يقل قليلا. كان زيدا يعرف طرفا من هذه المشاكل ولكنه لم يشأ أن يتحدث مع أزهري عنها.
واصل أزهري العمل في متجر 711 ومر شعر رمضان وكان أحيانا عندما يقف أمام ماكينة النقود ويطلب منه أحد المشترين خمرا يخرج منديله ليحمل به زجاجة الخمر. لم يسأله أحد من المشترين عن سرّ زجاجة الخمر الملفوفة بالمنديل.. وقد كانت هناك إجابة جاهزة أراحه منها المشترين الذين لم يسألوا!!
في يوم لم تنقطع فيه الأمطار منذ الصباح الباكر وحتى قرابة منتصف الليل حضر حسبو إلى منزل أزهري وهو مبتل الملابس إذ كان لا يحمل مظلة واقية من المطر.. أخبره قبل أن يخلع ملابسه المبتلة بأنه يحمل له رسائل من أسرته بالسودان..
أزهري: أرجو أن يكون خيرا. هل والدتي بخير؟؟..حسبو: الجميع بخير ويبلغونك سلامهم. وقد حضرت مساء اليوم من السودان وأنت كما تعرف منزلتي هناك مع زيدان.
كان أزهري يعرف أن حسبو ينزل مع زيدان كلما يأتي إلى لندن فهو ضيف ثقيل يفرض نفسه فرضا على زيدان.. ومع ذلك لم يسلم حتى زيدان من لسانه فهو يمتاز بلسان سليط..
قال حسبو بالله يا أزهري لو عندك طعام احضره لنا. هل تصدق أنه لا يوجد شيئا يؤكل في منزل زيدان؟؟ أجاب أزهري بانه أيضا لا يوجد عنده طعام يذكر وهناك بعض الزبادي فقط ..
حسبو: لا بأس آتنا به ولكن ماذا ألم بكم؟؟ أين تسكنون أنتم؟؟ قال لندن قال!! ناول حسبو رزمة من الخطابات لأزهري فأخذها منه وهم بوضعها جانبا إلا أن حسبو أشار عليه بقراءتها فهناك وصية هامة من والدته.. أزهري: وصية من والدتي!!؟؟ هل هي بخير؟؟ حسبو: نعم وصية من والدتك.. لا تقلق.. فهي بخير.. قال ذلك بعد أن أخذ مقعدا وجلس بقبالته.. أزهري: إن شاء الله خير.. أخذ أحد الخطابات وهم بفضها، صاح حسبو لا ليس هذا الخطاب، ذاك الآخر البني اللون..!!
فض أزهري الخطاب بحذر وترقب ودقات قلبه تتصاعد بعد أن خيم صمت ثقيل على الغرفة.. كان حسبو في هذا الأثناء يراقب أزهري الذي كانت أنفاسه تعلو وتهبط وهو يقرأ الرسالة. صمت أزهري لبرهة من الزمن بعد قراءة الرسالة، قاطعه حسبو:
أها.. إن شاء الله خير؟؟ والدتك أنا تركتها في ألف خير..
أزهري: لقد سلفتهم ألف دولار!!؟؟ حسبو: (بتصنع ظاهر) إنك لا تعرف قسوة الحياة هناك..أزهري: ومتى تريد هذا المبلغ؟؟ (قالها بزفرة).. حسبو: (بعد أن مسح وجهه بكلتا يديه) طبعا هذه الأيام، حتى أشتري بها بضائع وأنت تعرف أن العيد على الأبواب.. (قالها بعد أن تجشأ بصوت مسموع).. أزهري: سأدبر لك المبلغ خلال أيام. ولكن أرجوك ألا تفعل ذلك مرة أخرى ولكن لماذا بالله تحاسبهم بأقل من سعر السوق؟ ثم فوق ذلك كله تخصم عشرة في المأئة كرسوم!!حسبو: طبعا يا أزهري أنت لا تعرف طبيعة الأحوال هناك.. لقد ضيقت السلطات كثيرا على عملنا، خاصة بعد ارتفاع سعر الدولار.. أزهري: أنا لا أعرف في هذا الأمور ولا أريد أن أعرف.. بالله أرجوك لا تعطي ناس بيتنا أي مبلغ من المال دون علمي. (تغيرت ملامح أزهري وظهر غضبه)..حسبو: على العموم نحن نريد أن نساعد، وإذا رأيت غير ذلك فلن أتعامل معكم مستقبلا.. فهناك الكثيرين من الذين يتمنون التعامل معي (أجاب حسبو وهو ينظر صوب النافذة)..
بعد أن تناول حسبو طعامه بتلمظ وصنع لنفسه كوبا من الشاي، خرج من منزل أزهري بعد أن عرف أنها كذا يوم ويستلم مبلغ الألف دولار..
كان الخطاب المرسل لأزهري من والدته تخبره بأن حسبو حضر لزيارتهم وأخبرهم بأنه يمكن أن يسلفهم مبلغ ما يعادل الألف دولار على أن يستلمه من أزهري عندما يقابله في بريطانيا فرفضوا ولكن حسبو أتى إليهم في صبيحة اليوم التالي وأصر عليهم وأخبرهم بأنه كابنهم تماما.. فأزهري أخوه وصديق، وانه ليس في عجلة من المر فيما يخص المبلغ.. وبما أن حاجة أهله للمبلغ كانت ماسة أخذوا المبلغ على أن يكتبوا لابنهم أزهري..
الخطابات الأخرى كانت من بتول كتبت لشقيقها تخبره بأنه قدمت لتلتحق بالتدريس للمرحلة العامة ومعها شقيقتها بثينة وأنهما لا يريدان أن يكلفاه ما لا يطيق.. أما باقي الأخبار فهي أن والدهم قد شارك تاج العطا السمسار الذي أصبح من الأثرياء ونص عقد الشراكة على أن يوفر تاج العطا البضائع ويوفر والدهما المتجر على أن يقتسما الأرباح بنسبة 80% لتاج العطا ونسبة 20% لوالدهم..
حزن أزهري وأصابه الّذهول من هذه الخبار فكيف يوافق والدهم على التعامل مع هذا الشخص الذي لم يراع العشرة في المدة التي قضاها معهم فقيرا معدما لم يكن يسد أوده غير أبيهم الذي كان يرعاه هو وأسرته!!؟؟
ويذكر أزهري ذلك اليوم الذي طرد هذا العطا من منزلهم عندما تبدلت الأحوال وأصبح ثريا فتجرأ وعرض شراء المتجر من والدهم..
كان هناك خطابا من علوية ضمن الخطابات التي وصلته من السودان أشارت فيه بأن لا يشغل باله بأمر المقابلة التي تمت بين والديهما بخصوص أمر زواجهما فقد كان والدها قد حث والد أزهري باستعجال الأمر لأن الزمن غير معروف!!
شرحت علوية لأزهري مضايقة أعمامها وأخوالها لوالدها بكثرة الأسئلة في أمر الزواج وذكرت له كيف تحدثت لوالدها حديثا طيعا لينا حتى أقنعته بأنها تثق في أزهري الذي يعاني من مسئوليات جسام وطلبت منه عدم الإكتراث لأقوال الأهل..
كان الوضع لأزهري غير طبيعي فهناك المسئوليات السرية وهناك علوية. ثم ماذا عن نفسه؟ وكيف يجد موطئ قدم له في هذه البلاد؟ فدخله لا يتناسب مع مصروفاته المنظورة ولا المستقبلية؟ تحدث مع صديقه زيدان بأن يبحث له عن إمكانية عمل إضافي منذ فترة إلا أنه لم يشاهد حتى الآن أي نتيجة إيجابية..
في صباح يوم من أيام العطلات اتصل زيدان بمنزل أزهري وسأله إذا كانت لا تزال لديه الرغبة في العمل الإضافي؟؟
أجاب أزهري موافقا فاخبره زيدان بان هناك فرصة عمل في مكتب تأجير سيارات في وردية ليلية ينتهي دوام عملها في الصباح..
وافق أزهري بدون تردد واستفسر عن مكان العمل.. أخبره زيدان بأن العمل في منطقة قلستر رود وأصحابه باكستانيون وسيدفعون له مبلغ اثنين جنيها في الساعة ويريدون منه أن يبدأ العمل فورا.. بدا أزهري العمل في مكتب تأجير السيارات وما هي إلا أيام قليلة حتى أتقن العمل ولم يشعر بالضغوط التي كان يواجهها في متجر 711..
"ليس هناك عمل بدون إشكاليات ومعوقات في بلاد ليس لنا فيها حقوق كاملة، فهي ليست بلادنا!!" كثيرا ما كانت تراود أزهري هذه الأفكار منذ قدومه إلى هذه البلاد. كانت معضلة العمل في مكتب تأجير السيارات هي أن أصحاب العمل لا يلتزمون بدفع الجرة في موعدها المقرر. تلك لم تكن بداية موفقة جعلت أزهري يشعر بالتقزز.. فكر أزهري في ترك العمل إلا أن زيدان طلب منه التريث.. كان صاحب العمل قد أخبره بأنه يريد أن يساعده فطلب منه استخراج رخصة قيادة سيارات مؤقتة ولأن يترك الباقي عليه. تجاهل أزهري الأمر ولم يفكر فيه كثيرا وأصبحت تخيم عله ظلال من الشك والريبة في التعامل مع المكتب..

في الخطاب الذي كان قد أرسله أزهري لأسرته من قبل كان قد اقترح عليهم بأن يوقفوا بناء السايفون الذي أصبح يكلف كثيرا وأن يحاولوا إتمامه بالبناء البلدي كما كان يتم في الزمن الماضي.. لأنه يريد ابتعاث أختيه إلى أوكرانيا لدراسة الطب كان الخطاب موجها إلى والده على أن يشاور الأسرة في الأمر..

جمع والده أسرته واخبرهم بفحوى الرسالة، اعترضت بتول وبثينة متعللتين بأن دراسة الطب طويلة ومكلفة ثم أن هناك الوضع المالي الغير مستقر لشقيقهم وأخيرا فإن منزلهم هو المنزل الوحيد في الحي الذي لم يدخله السايفون حتى الآن!! لذا فإن كل هذه السباب مجتمعة تقود عمليا إلى تأجيل زواج شقيقهما أزهري إلى أجل غير معروف المر الذي لا يريده أحد..
قالت والدة أزهري إنها تفضل زواج أزهري بأسرع فرصة وترك السايفون، أما عن دراسة أختيه فهما الحمد لله قد بدأتا العمل في التدريس وقريبا إن شاء الله يأتيهن أولاد الحلال..
في رسالة رقيقة بعث بها والد أزهري لابنه أخبره فيها ما توصلت إليه أسرته.. كانت هناك خطابا آخرا وصل بعد أيام من علوية، أخبرته فيه بأهمية أن يبتعث أختيه لأوكرانيا ودعته فيه ألا يكترث كثيرا لأمر تعجيل زواجهما.. كانت علوية قد عرفت من بثينة مضمون خطاب السري لابنهم..

أصبح أزهري في حيرة من أمره فماذا يفعل؟ فهناك أشياء تتداخل وتتقاطع بسطا ومقاما أمامه فقرر أن يذهب إلى منزل زيدان عله يجد عنده بعض السلوى يغرق فيها همومه. كان الوقت قد شارف منتصف الليل. وبما أن اليوم عطلة فقد كان الشارع ومحطة القطار والمسافة حتى منزل زيدان بدت خالية من المارة.. والقليل المتبقي منهم يسرع الخطاة، وهناك من يسير في تسكع يكاد يغلبه المشي.
وصل أزهري غلى المنزل ففتح له زيدان الباب مرحبا ودعاه الي الجلوس وسأله إذا ما كانت له رغبة في طعام فهو مازال ساخنا في المطبخ. شكره أزهري وفضل كوب من الشاي صنعه بنفسه واتى به وجلس بالقرب من زيدان الذي كان يشاهد التلفزيون.. نهض زيدان وتوجه نحو التلفزيون وخفض من صوته ثم عاد إلى مقعده..
سأل أزهري: أين بقية الشلة؟؟ زيدان: خرجوا قبل قليل. ولا أظن أن أحدا سوف يحضر بعد هذا. كان زيدان ثملا وقد لاحظ أزهري ذلك. لم يدع زيدان أزهري لمشاركته في الشراب فهو يعرف أنه لا يشرب. سأل زيدان أزهري عن أحواله وأحوال العمل ثم عرج للسؤال عن أسرته.
لم تكن لأزهري رغبة في التحدث مع زيدان في هذا الوقت وفي هذه الحالة، إلا أن زيدان لم يتركه فسأله عن أخبار علوية.. أجاب أزهري: وصلتني منها رسالة هذه الأيام وهي بخير.. زيدان: هل تحبها؟؟ أزهري: جدا.. أحبها لماذا هذا السؤال؟؟ زيدان: لا مجرد سؤال.. ثم تنهد واعتدل في جلسته وواصل حديثه : كنت أعمل مع منظمة إغاثة أمريكية في مدينة البيض عام 1991.. في تلك الفترة قامت السلطات بتغيير العملة.. عانى الناس كثيرا من جراء ذلك العمل..

كنت المسئول عن مخازن المنظمة وقمت باستلام شحنة كبيرة من الحبوب الأمريكية قدمت من مدينة بورتسودان وعندما وصلت إلى ومدينة الأبيض وتم تفريغ الشحنة كان علي أن أعطي الحمالين أجورهم.. لم تكن عندي سيولة كافية من المال إذ حددت، السلطات مبالغ محددة لا تغطي هذه الأجور.. ذهبت غلى المسئولين في الولاية وتحدثت معهم في هذا المر. لم يكونوا إيجابيين فاشتطت غضبا وأخبرتهم بأنهم ينطبق عليهم المثل القائل: (جيت أساعده في حفر قبر أبوه قام دس المحافير)..

هل تعرف ماذا حدث بعد ذلك؟؟ سأل زيدان.. ثم استطرد مواصلا حديثه لقد أتوا إلى منزلي ليلا وأخذوني إلى الخلاء حيث أوسعوني ضربا ثم تركوني هناك مغميا علي..أزهري: وماذا حدث بعد ذلك؟؟ زيدان: عدت إلى المدينة في صباح اليوم التالي وحالتي يرثى لها. فلم يتركوني. اتصلوا بي واعتذروا لي ثم طلبوا مني التعاون معهم!! أزهري: تتعاون معهم!! قالها باستهجان..زيدان: المهم بعد ذلك جهزت أمري لمغادرة البلاد ثم قطعت علاقتي بإيمان.. أزهري: ومن هي إيمان؟؟ زيدان: إيمان هي الفتاة التي كنت أحبها وهي زميلتي منذ أن كنا في الجامعة.. أزهري: ولماذا قطعت علاقتك بها؟؟ هل إختلفتما؟؟ زيدان: لا.. قالها وهو يمسح دمعة قد طفرت من عينه ثم تبعتها تنهيدة ثم زفرة وتبعتها زفرات ثم انفجر باكيا.. تلك الحالة تركت أزهري يجحظ بعينيه نحو زيدان ثم يقوم من مقعده ويجلس بجانبه ويربت على كتفه..
تحدث زيدان مغالبا نفسه حديثا متقطعا مليئا بالزفرات، وأزهري بجانبه يهدئ من روعه. إنها أعظم امرأة في العالم. إنني مازلت أحبها. ولكن كيف لي أن أحبها وأنا ذاهب ولا أعرف متى أعود، هكذا كان يتمتم زيدان. .

دخل أزهري إلى المطبخ واحضر كوبا من الماء وناوله لزيدان الذي أخذه وشربه على عجل. ثم أخرج من جيبه منديلا وناوله له فشكره بعد أن صمتا لفترة من الزمن.. كان أزهري قد أغلق التلفزيون قبيل ذلك..
شعر زيدان بعد ذلك بدوار ورغبة في التقيؤ فتوجه مسرعا نحو الحمام وبصوت مسموع تقيأ وكأن أحشاءه تكاد تخرج من حلقه.. لحقه أزهري على عجل ووقف إلى جانبه وسأله إذا ما كان يريد مساعدة..
أجاب زيدان هازا رأسه بالنفي.. بعد قليل انسحب أزهري إلى مقعده ثم نهض فجأة وتوجه إلى غرفة زيدان فقام بإعادة ترتيبها ثم عاد ووجد زيدان ما يزال في الحمام.. أعتقد أن من الأفضل لك أن تذهب وتنام يا زيدان. قال أزهري..زيدان: أعتقد أن ذلك أفضل..قاد أزهري زيدان إلى غرفته ثم جلس بالقرب منه.. زيدان: يمكنك قضاء الليلة معنا هنا فهناك غرفة أخرى.. أزهري: نعم سوف اذهب وأنام بعد قليل. لا تقلق علي.. وقف أزهري واخذ الغطاء من تحت أرجل زيدان ثم قام بفرده وتغطية زيدان حتى عنقه ثم أطفأ الإضاءة بعد أن دعا له بليلة سعيدة وخرج مواربا الباب من خلفه..
في صبيحة اليوم التالي استيقظ زيدان مبكرا فلم يجد أزهري. خاله في بداية الأمر أن يكون نائما.. فتوجه زيدان وقام بصنع كوب من القهوة لنفسه وعاد إلى غرفته فأدار مؤشر المذياع نحو محطة هيئة الإذاعة البريطانية التي يفضلها كثيرا. خفض الصوت قليلا فهو لا يريد أن يزعج أزهري..بعد مدة وجيزة، سمع زيدان رنين جرس منبه الساعة في الغرفة الأخرى ففهم أن أزهري سوف يستيقظ الآن. فهو يريد أمرا يفعله هذا الصباح وغلا لما قام بضبط المنبه على هذا الوقت المبكر. هذا ما خطر لزيدان..
لم ينقطع صوت المنبه من الرنين فتوجه زيدان بخطوات متثاقلة نحو غرفة أزهري ليستجلي الأمر. لم يجد زيدان أزهري على فراشه فاعتقد أنه ربما يكون في الحمام ولم يهتم للأمر. أسكت زيدان الرنين وتوجه صوب الحمام لينظر إذا ما كان أزهري هناك.. صاح زيدان: أزهري.. أزهري.. هل أنت هنا؟؟
لم يسمع زيدان أي إجابة لسؤاله، فخطا خطوات نحو الحمام ففتح الباب ولم يجد أحدا بداخله!! توجه زيدان مرة أخرى التي قضى فيها أزهري ليلته ونظر إليها بتفحص ثم ركع على الأرض وأخذ يبحث أسفل السرير!! لا يوجد أحد هناك!! ردد في نفسه..
سأل زيدان نفسه: أيكون قد خرج من دون أن يخطرني؟؟ ولكن إلى أين؟؟ توجه زيدان إلى غرفته مرة أخرى فوجد ظرفا موضوعا بعناية فوق المنضدة لم يره زيدان من قبل. اخذ الظرف ثم فضه فوجد به شيكا بمبلغ ألف دولار معنون باسم حسبو..
وضع زيدان الظرف على مكانه واتجه صوب الباب الذي يؤدي غلى الشارع الرئيسي فوجده مفتوحا. فأصابته الدهشة، فخرج إلى الشارع متلفتا نحو اليمين ونحو اليسار.. لا أثر هناك لأزهري. وقف برهة وفي رأسه ألف سؤال ثم دلف إلى داخل المنزل مرة أخرى وقد أصابه التوتر..
توجه زيدان نحو الهاتف وهم بالاتصال بمنزل أزهري إلا أنه تذكر بأن هاتفه يستقبل فقط.. اللعنة على حسبو.. قالها بصوت مسموع.. ثم توجه نحو غرفته وأتى بمفكرته التي بها أرقام مفتاح الهاتف الذي يغلقه كلما حط حسبو رحاله في المدينة..
لم يجد زيدان أحدا في منزل أزهري.. فعاود الاتصال عدة مرا ت بدون أي نتيجة إيجابية. اتصل بأصدقاءه منعم ومجدي وسعيد فاخبره بأنهم في طريقهم إليه بعدما عرفوا من زيدان بأنه اتصل بمكان عمل أزهري فأخبروه بأنه لم يأت اليوم لأن اليوم ليس يوم عمله..
اتصل زيدان بعد ذلك بالمستشفيات وأقسام البوليس المختلفة فأخبروه بأن ليس لديهم هناك شخصا بهذا الاسم أو الأوصاف..

انتهت..
لندن مايو 1995


نصوص قصصية
(1)
في البص العتيق الذي يزحف ببطء شاقا شارع أكسفورد الشهير متوجها شمالا نحو المتحف البريطاني، كان الركاب الذين ينزلون أكثر من الذين يصعدون. هناك في الطابق العلوي للبص مدّ أحدهم يده نحو صحيفة صباحية كان قد تركها صاحبها بعد أن تصفح ما فيها سريعا..
اتجه مفتش البص الأسود نحو صاحبنا بخطى وئيدة وقال مبتسما:
وماذا عن صحافتنا نحن السود؟؟ أجاب الراكب_بدون تردد-
ولكنها أسبوعية!! وقال له المفتش:
دعنا نشتريها حتى تصبح يومية!!

(2)
طلب مقدم البرنامج الكوميدي من المتنافسين التعليق على مقولة رئيس وزراء فرنسا السابق الذي قال: (أن هناك حملة منظمة لتشويه سمعة فرنسا تشنها الدول التي تقاعست عن التدخل في رواندا)..
أجاب المتنافس الأول:
إن رئيس وزراء فرنسا لا يريد ترك أي عمل جليل لتقوم به الحكومة القادمة!!
وقبل أن يضج الحضور بالضحك انفجر التيار الكهربائي بالقاعة، وتعطلت المولدات الاحتياطية التي تعمل بالدفع الذاتي..
(3)
عندما انضم صديقه الأول إلى حركة تصالحية أصابه الذهول والإحباط.. هرع إلى صديقه الثاني لينقذ الأول.. وبعد عدة محاولات فاشلة صرّح صديقه: (بأن الجماعة أكلوا رأسه).. بعد عقد من الزمان انضم هو لتلك الحركة..
أما صديقه الثاني فقد أصبح كاهن الحركة!!


(4)
في رده على أحد أسئلة المؤتمر الصحفي أجاب المتشرد الذي تم اختياره كموديل لأحد أشهر بيوت الأزياء: بأنه لم ينس أصدقاء الأمس فمجتمع النجوم ومجتمع التشرد لا يختلفان في شيء..!!..



(5)
في جب بلاد اللجوء السياسي تهاتف أسرتك والأصدقاء – ما وجدت لذلك سبيلا – برهة من الزمان. ثم تهاتف نفسك الزمان كله!!






زوج ريتشل هوارد
السلام عليكم.. مساء الخير.. قالتها بلغة عربية ضعيفة تشوبها لكنة إنجليزية ثم واصلت حديثها: أرجو أن يسمح لي جمعكم الكريم هذا بأن أتحدث باللغة الإنجليزية..هذه التحايا العربية هي أول ما تعلمته من صديق..
وأجد نفسي في وضع صعب للغاية وأنا أقف أمام جمعكم هذا لتأبين الفقيد الراحل.. عرفت صديق منذ وقت طويل، فقد كان زوجي وحبيبي وأخي، كان أبي وامي، كان كل شيء، كان حياتي.. وإني مازلت أذكر اليوم الذي تعرفت فيه على صديق، فقد كان إنسانا شفافا رقيقا دمث الأخلاق.. كنت قد سألته عن بلاده وعن سبب حضوره إلى هنا..فتحدث إلى بعد صمت قصير وقد بدا على وجهه العبوس – عن وطنه ذلك البلد الجميل الذي ما غاب عن باله حتى يوم رحيله..كان يحدثني كثيرا عن بلاده وعن أهل بلاده وأنا أعترف في هذا المقام بأنني عشقت تلك البلاد – السودان – وعشقت أهله، فقد زرته مرة واحدة كانت كفيلة بأن تكشف لي عن طبيعة وسماحة ذلك البلد الطيب، الذي غمرني أهله بحبهم وكرمهم الأصيل، الذي لن أنساه ما حييت. أذكر أننا كلما ذهبنا سويا إلى الريف الإنجليزي في العطلات كان صديق يحدثني كثيرا عن الريف عندهم هناك وكيف أنه جميل وساحر وعن قريتهم التي كانت ترقد على ضفته هانئة ومطمئنة. كان يحدثني عن التعاضد والتعاون الذ1ي هو سمة القرية السودانية عامة وكان أكثر ما يشغله هو كطيفية مساعدة أهل قريته. كنا نفكر سويا دائما في إقامة بعض المشروعات هناك، وكانت أفكاري ومقترحاتي حول المشروعات خيالية وغير مناسبة، فكان يعدل فيها لتناسب طبيعة وظروف أهله هناك. فأشعر وكأني أنا الذي عدلت وصغت تلك المقترحات. كان صديق يكثر من الحديث عن أهله فقد كان بارا بهم وكانوا يحبونه كثيرا ولي كل الشرف أن أشارك الكثيرين في حب صديق. أذكر أنه كان يحلم يوميا بالوطن وأهله وفي كثير من المرات كان يتقطع نومه على نوبات من الكوابيس والهواجس فكان يصحو مخلوعا وكأنه قد فقد الوطن. لم يزر صديق السودان منذ أن أتى إلى هنا إلا أن الوطن ظل متقدا في ذهنه. وكانت عندما تصله رسالة من الوطن يعتبر ذلك اليوم عيدا. أذكر أنه كان يبدأ يومه صباحا بالبحث في صندوق البريد عن رسائل الوطن ذات الطوابع المميزة، وكان عندما يجد بعض الرسائل يتهلل ويشرق وجهه فيحملها كالمولود الصغير بعناية وشفقة ثم من بعد ذلك ينظر إلى الرسالة متمعنا في الطوابع والختام والتواريخ. كان يقول لي قبل فض الرسائل: هذه الرسالة من الخرطوم وهذه من النيل البيض وتلك من جوبا. وكنت أقول له أليس لك صبا حتى تفض الرسالة وترى؟؟ فكان يضحك ويقول لي بصوته الرخيم: (إنك لا تعرفي ما تعنيه هذه الرسائل لي، إنها مناسبة نفسية واجتماعية تعني الكثير).. وعندما عرفت أثر هذه الرسائل فينا كنت أصحو مبكرة واذهب إلى باب الشقة وانتظر في صبر رجل البريد الذي توطدت علاقتنا به وكان دائما يقول لي بوجهه البشوش وقامته المديدة : (حسنا هناك خطابات من السودان).. فكنت أحملها فرحة إلى صديق الذي ما أن يراني حتى يقول لي مبتسما: هل أتيت لنا بصيد ثمين؟. أذكر مرة أننا كنا قد تناقشنا في موضوع الخفاض الفرعوني فأعجبتني رؤيته لهذه المشكلة وأذكر أنه قال لي بأن هذه المشكلة لن تحل إلا بالعلم وتضافر الجهود على أن تتولى ريادتها النساء أنفسهن.. كنت قد أخبرته بأنني سوف أذهب للسودان وأتحدث لبنات القرية عن هذه المشكلة الكبيرة بعد أن احمل معي بعض الوسائل التعليمية المناسبة.. قال لي صديق: سوف تجدين هناك مفاجأة في انتظارك.. وفعلا وجدت المفاجأة إذ لم أجد في القرية إلا العجزة!! الحضور الكريم: إن معرفتي وعلاقتي بصديق قد أضاءت لي جوانب كثيرة كنا نحن نجهلها. فقد عرفنا الفرق الكبير بيننا وبين أهلنا في السودان..نحن هنا نتحدث وننشئ الجمعيات والمنظمات المختلفة من حقوق الحيوان إلى سلام أخضر وحتى ثغرة الأوزون، نهدف من ذلك أن ننقل ثقافتنا للعالم بحسبان أننا دعاة حضارة ومدنية!! ولكن اكتشفنا أننا في واد آخر.. الحضور الكريم: كنا أنا وصديق نتفق ونختلف كعامة الناس. ولكن إذا كان لاتفاقنا طعم ومذاق فإن لاختلافاتنا مذاقها الخاص أيضا!! كنا نختلف بنبل. كنت أصمت عنه أياما وليالي، فكان يخاطبني برسائل تفيض رقة وأدبا.. الحضور الكريم: أحب أن أختم حديثي بجملة كان قد كتبها صديق في إحدى رسائله للوطن، فقال: (إذا كانت للوطن همومه ومشاكله فإن لأهل هذه البلاد أيضا مشاكلهم).. السلام عليكم.. قالتها بلغة عربية ضعيفة ختمت بها حديثها، ثم انصرفت لتأخذ مكانها في مقعدها الأمامي..
علا التصفيق الحار القاعة بعد أن قرأت روبيكا ناش قصتها الفائزة بالجائزة الأولى في المسابقة التي أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية – القسم العالمي..

انتهت.. لندن – أبريل 1995.




الحاجز
اتسم المؤتمر الصحفي الذي انعقد في نهاية جلسات مؤتمر دول السوق السودانية المشتركة في كسلا عاصمة دولة التاكا في الفترة من 6 إلى 8 أبريل 2050 والذي شارك فيه كل من رؤساء دول دارفور، سنار، دولة الأماتونج الفدرالية بالإضافة للدولة المضيفة التاكا بالصراحة والإيجابية في كل القضايا المطروحة أمامه مما يحتم علينا أن نقول أن المؤتمر قد حقق نجاحا كبيرا.
وافق المؤتمر على قبول كردفان كعضو مراقب في السوق السودانية المشتركة إلى حين البت في إجراء الاستفتاء المزمع قيامه قريبا حول تقرير المصير تحت رعاية وإشراف دولي. كانت هناك بعض التحفظات التي أثارتها دولة دارفور إلا أن الرؤساء المجتمعين بددوا مخاوفها ووافقوا على أن يكون هناك مراقبين منها لمراقبة عملية الاستفتاء المرتقبة.. كان المؤتمر قد وافق على أن الوحدة لا تكون ذات ثمرة ترجى إذا فرضت بالقوة. ويكفي أن القرن الماضي قد شهد تلك الحرب الأهلية المزرية التي بددت الموارد البشرية والطبيعية وعطلت التنمية لنصف قرن من الزمان، في دولة ما كان يسمى بالسودان..
أما فيما يخص الاستفتاء حول تقرير المصير المرتقب لكردفان فقد صرح وفد كردفان بأن هناك عدة خيارات تتمثل في: أ) الاستقلال التام..ب) الفدرالية أو الكنفدرالية مع دولة دارفور..ذلك تم الاتفاق عليه على ضوء تجربة أقاليم جبال النوبة وفشودة ومنطقة الأنقسنا الذين اتحدوا وكونوا دولة الأماتونج الفدرالية التي حققت نجاحا ملحوظا في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية..أما في مجال الثقافة واللغات فقد رد المؤتمر الاعتبار للكيانات الثقافية المهمشة بعد قيام هذه الدول.. وقد كان ذلك مطلبا وقضية مركزية في الماضي.. فنما عودها وقوي حتى أصبحت سببا في إعادة النظر في أوضاعها حتى في بعض دول السوق نفسها فأصبحت تدرس لغات الدناقلة والمحس والسكوت والحلفاويين داخل دولة سنار جنبا إلى جنب مع اللغة العربية والإنجليزية. ..
كان حجر الزاوية في هذا البناء هو الحرية التي تجذرت في كافة دول السوق السودانية المشتركة، فاحترقت الدائرة الشريرة التي كانت مقصورة على تداول السلطة بين العسكر والأحزاب.. بعد أن استقرت الأمور وذاق المواطن حلاوة الحرية بعد أن أفسح لها حيزا غير محدود من الصبر، تصور بعض الناس خاصة كبار السن أنهم يعيشون في حلم.. حتى الأزمة السياسية الحادة التي ألمت بدولة سنار وأدت إلى تغيير الحكومة عدة مرات في بحر عام واحد لم تغر العسكر بالاستيلاء على السلطة ذلك أن الجولة أصبحت ذات مؤسسات راسخة وفاعلة.. كان المؤتمر قد ناقش المسودة التي رفعتها اللجنة الوزارية المكلفة بقضايا التجارة وحرية التنقل والإقامة والتمليك.. وبعد إجراء بعض التعديلات التي كانت من بينها التنسيق فيما بين دول السوق في المحافل الإقليمية والدولية، أجاز المؤتمر قيام البرلمان الكبير لدول السوق السودانية المشتركة ووافق المؤتمرون على أن يكون مقره كادقلي.. ينظر البرلمان الكبير في القضايا التي تهتم بمستقبل ورفاهية مواطني دول السوق بجانب بحثه في القضايا الخلافية الأخرى.
في نهاية البيان الصحفي وجه الرؤساء المجتمعون كلمة شكر للدولة المضيفة، كما وجهوا تحية ود وعرفان لجيل المخضرمين الذين جعلوا هذا الأمر ممكنا باتفاقهم التاريخي على حسم قضية مصير دولة السودان القديم. ذلك بإعطائهم حق تقرير المصير لشعوبه لتقرر نوع وشكل الحكم الذي تريده..لم يكون عبور الحاجز النفسي لتقسيم الدولة بالأمر الهين على الكثيرين فقد كان مخاضا قاسيا عولج بالحكمة والتجربة..
وفي رد على آخر سؤال في المؤتمر الصحفي أجاب الناطق الرسمي باسم المؤتمر:إذا قاد برلمان السوق المشتركة المقترح قيامه قريبا إلى شكل من أشكال الوحدة مستقيلا فذلك سيكون بعد وضع اللبنات السياسية وإجراء الدراسات المعمقة ثم موافقة البرلمانات المختلفة ثم أخيرا طرح الأمر للاستفتاء على دول السوق المعنية حتى يقرروا بأنفسهم ما يريدون..


انتهت.. لندن.. يونيو- 1996..



إلى المدرسين عامة ، وإلى أحدهم بصفة خاصة..


طرف الخيط

عزيزي زكريا: تحياتي وسلامي.. وصلني خطابك الأخير، وأنا أشكرك عليه كثيرا، فقد طفت بي في عوالم ودنياوات ما كنت أحسب نفسي سأذكرها مرة أخرى. وقفت كثيرا عند جملتك التي تقول بأنكم لا تذوقون طعما للحياة في بلادكم ذات الغنى المادي والثقافي.. أصحيح هذا؟؟ كنت قد قرأت من قبل عن طبيعة الإنسان وعن انعكاس التحولات غير الإرادية التي يجد الإنسان نفسه فيها ولكن مهما يكن فأنتم تعيشون في نعيم.. أما عن أحوالنا وأقول بالأصح (أقدارنا) فإنكم لا تصدقون أننا قد أصبحنا مبرمجين ليلا ونهارا ونحاول أن نضرب رأسنا في (الحيط) كما يقول إخواننا المصريين، لكي نفك هذا الاشتباك ونفلت من إساره، فمنا من يفشل وكثيرون ما زالوا يقومون..
المدينة يا عزيزي ضربتها الكآبة بعد أن أصابها الخراب فأصبحنا نرى فيها وجها لا هو ضاحك ولا هو يعرف مجرد الابتسام. كل شيء انتهى واختفى ورحل!! عزيزي،
غادر الحي عبدربه اليماني، وقلبجي الهندي، ويني الإغريقي، وآخرهم جرجس القبطي، بعد أن صعّرت لهم الحياة خدها..
كان يوما حزينا وكئيبا أقمنا لهم فيه حفل وداع أجهشوا فيه بالبكاء ووعدوا بالعودة مرة أخرى!! عزيزي،
سعدت جدا بوصول خطابي إليك فقد أرسلته عبر (الردمية) لكي لا يقع في أيدي الجماعة!! سمعت من صديقتنا كاترينا أنها مرة تحدثت مع أهلها عبر الهاتف فهجم عليها صوت أجش صائحا:
إنتو ما تتكلموا بالعربي!! عزيزي،
ما زلت أقوم بتدريس مادة التاريخ في نفس المدرسة ولذات الفصول، واشعر بسعادة كبيرة في الفصل تنسيني وتغرقني بعيدا عن الصعوبات التي تواجهنا هنا.. تراني أشرح وأفضفض كيف عم وانتشر الفساد والمؤامرات واشغل الحكام بأمور الدنيا وكيف أدى إهمال أمور الرعية وشئونها إلى التذمر والسخط، الذب انعكس سلبا على أداء الدولة فتمطت وتراخت إلى أن قامت الرعية بالثورة عليها فأهلكت الفاسد والمفسد.. عزيزي،
وأنا أردد هذه المقاطع للطلاب كلمة كلمة، أجد نفسي في سعادة كبيرة وأشعر بتجاوب الطلاب معي وإن كنت أحس بأن هناك من يحسب أنفاسي من بينهم!! عزيزي،
هل تذكر أستاذ معاوية أبوريالة؟؟ فقد استأسد علينا بعد أن انضم إلى الطبّالة فترقى وترفع إلى أن أصبح مدير المدرسة.. أمس زارنا بمكاتب الشعبة وطلب مني التبرع للدفاع الشعبي، وعندما أخبرته بأنني أقسمت بعدم التبرع لأي جهة كائنا ما كانت حتى أسدد ما علي من ديون.. صاح في قائلا: (إنتو ما تدفعوا...... بعدين صوموا).. وهو لا يعلم بأن صيامنا أبت شمسه أن تغرب!! عزيزي،
ذهبت أمس إلى مكتبة جبارة فتذكرناك، وبالمناسبة الكتب أصبحت ترفا.. و نحن، كما يقول آدم البعيو "نحنا القراية ذاتها خليناها ... بقى ما عندنا ليها روح".. وقد ترك التدريس وافتتح له دكان فول.. كذلك قد تكون سمعت بحكاية أستاذ حسن فقد هاجر إلى تشاد وهو بخير وقد أرسل
في طلب أسرته.. عزيزي،
قد تكون سمعت بعبد الوهاب ذلك الرجل الطيب الذي مات في معسكرا ت الدفاع الشعبي، فقد كان خياره صعبا عليه، فتعلقه بالوظيفة حتم عليه الذهاب إلى الدفاع الشعبي حيث توفى هناك.ز وأنت تعلم أنه كان مصابا بالسكر.. رحمه الله..
كذلك من الأخبار المحزنة وفاة طالب الطب عماد في الجنوب، فقد ذهب مع قوات الدفاع الشعبي وتوفى هناك.. وقد كان خبر وفاته صاعقا على أسرته التي كانت تحسب الأيام والليالي ليوم تخرجه – يلزمك خطاب تعزية لهذه الأسر.. عزيزي،
هؤلاء القوم جربوا فينا نظريا ما أنزل الله بها من سلطان وآخرها "قال أيه؟؟ دولة اسبرطة الكبرى!!!".. وهل تصدق أنهم أنشأوا وزارة للتغيير الاجتماعي!! هم يريدون طمس حياة كاملة راسخة، وهوية، ولكن هيهات.. إنهم كما يقول عمنا ود أبو قناية: "الجماعة ديل رايح ليهم طرف الخيط.." عزيزي،
أهلوك بخير، خاصة والدك الذي أتحاشى كثيرا مقابلته لكي لا أثير فيه كوامن الشجن.. عزيزي،
نرجو أن تواصل الكتابة لنا، فنحن هنا نتلمظها ونتداولها بين الشلة ونجد فيها الكثير من أحلامنا التي أبت أن تتحقق، وإن كانت أرواحنا ونفوسنا ما زال بها شيء من التفاؤل..
حاشية: سوف تحاور ثقافات وحضارات أخر فكن ثورا أفريقيا عظيم القرنين.. مخلصكم: صابر عبدا لحميد السودان..





نصوص قصصية
(1) قال المرابي: أين السلع؟؟ أجابت السلعة: نعم سيدي – أنا هنا هيت لك!! أجاب المرابي: لا.. لا ليس الآن..... سأضعك في مخازني!! أجابت السلعة: ولكن سيتغير مذاقي ولوني ورائحتي.... ثم ينقص سعري!! أجاب المرابي: ألا تعلمين أن صاحب الحاجة بلا حواس؟؟

(2)

طالب سكان الخرطوم بعودة الكهرباء. ودعا أهالي بحري بإرجاع المياه.. ونادى مواطنو أمدرمان بضرورة توفير الخبز.. أما بقية السكان فلم يطالبوا بشيء..... فقد ماتوا لانعدام الهواء..

(3)

كان يحكي عن أناس من عرقية مختلفة أشكالها، ألوانها، عاداتها وتقاليدها، ساخرا.. في اليوم التالي أخبر الحضور أنه تعرض لمعاملة قاسية من رجل شرطة، دوافعه السياسية عرقية بحتة!!

(4)

عندما لم يجد بدا من العمل الهامشي ارتدى أقنعة التنكر ودهب لاستلام العمل.. هناك وجد أستاذه.. فخلع أدوات التنكر وتوجه إلى مكتب المقاومة..




كرنقو عبدالله

10 يناير 1990 لندن..
وصلت قبل أسبوع إلى لندن ورتبت أموري على أن بقائي هنا قد يطول.. أشعر بشوق جارف للأهل والأحباب والوطن.. قابلت كثير من السودانيين.. أعرف البعض منذ أن كنت في السودان، وتعرفت على البعض منهم هنا في بريطانيا.. 30 أبريل 1990 لندن.. وجدت وظيفة مع صحيفة كويتية تصدر في لندن بمساعدة الأصدقاء الذين سبقوني إلى هنا.. العمل بالصحيفة شغلني قليلا ورتب أوقاتي وإن لم يشغلني عن التفكير في الوطن والأهل.. هناك بالصحيفة صفحة تهتم بشئون السودان – تحت الإحتلال الأخواني – وبما أن الكويت تحت الاحتلال العراقي فقد كانت لنظرية (عدو عدوك صديقك) سحرها. عملي كان يتركز في الصفحة الاقتصادية إلا أن عيني دائما كانتا هناك في صفحة السودان.. 30 يونيو 1990 لندن..
أشارك في كل المناسبات السياسية التي تنادي بعودة الحريات إلى الوطن، وقد مرت اليوم الذكرى الأولى للانقلاب المشئوم الذي أطاح بالحريات.. يبدو أن الوقت سوف يطول قليلا أكثر مما يتوقع المراقبون لكي تعود الحريات مرة أخرى.. 6 يوليو 1990 لندن..
لم تبهرني لندن برغم قضها وقضيضها فقد سمعنا وقرأنا ما نراه الآن ماثلا أمامنا.. بدأت لي لندن وكأنها لندنين، الأولى وهي التي يعرفها السودانيين بعدما وطدوا أنفسهم وسودنوا معظم أوجه حياتها.. والثانية هي التي يعرفها أهلها.. وأجد نفسي كثيرا هناك ومرات هنا.. 5 أبريل 1991 لندن..
وافقت السلطات البريطانية على منحي حق اللجوء السياسي.. سعادتي به كانت تنحصر في أني منحت حرية الحركة والسفر، وأصبحت أرى الدول الأوربية كأنها أقليم في دولة واحدة.. آه يا سودان أين أنت؟؟!!
المسافة بين نيمولي ووادي حلفا تكاد تبتلع أوربا مجتمعة!! أخبرني صديقي الذي يعمل في رواندا بأن دارفور تساوي في حجمها 20 مرة قدر حجم دولة رواندا!! هل هي نعمة أم نقمة، أن يكون السودان بهذا الحجم؟؟ يبدو أن الإجابة صعبة في هذا الوقت.. 1 مايو 1991 لندن..
تعرفت على برناديت الإنجليزية وتوطدت علاقتي بها.. شاركتها في مظاهرات ومسيرات إحتجاجية تخص البيئة وحقوق الحيوان ورفع الحصار عن كوبا وشاركتني في مظاهرة سودانية إلى السفارة السودانية مطالبة باحترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.. وعندما رأت موظفي السفارة يقومون بتصوير المظاهرة، ظنتهم من وسائل الإعلام فكانت تبتسم لهم، حتى صححت لها خطأها الجسيم!! فصعّرت خدها لهم.. 6 يوليو 1991 لندن..
دعتني برناديت لزيارة الريف البريطاني في عطلة نهاية الأسبوع.. كان يوما رائعا وجميلا.. قابلت فيه أهلها وكنت محور الحديث الذي كان يدور عن السودان، وعن مشاريعي التي أرغب في أن أقوم بها.. أخبرتهم أنني بحكم وضعي كلاجئ فأنا لا أملك خطة جاهزة ولكني سوف أرى.. حاولت قدر استطاعتي أن أبدو مهما وكأنني أملك مفاتيح الدنيا!! ذلك لأن عجرفة أهلها لم تعجبني.. بدأت لهم الحديث عن أوضاع بريطانيا الاقتصادية المسلوبة العافية ثم عرجت على مهددات الأسرة وانعكاس تردي أوضاع الصحة والتعليم على انتشار الجريمة، وتفشي المخدرات.. دهشتهم لام تكن في الحقائق التي أوردتها، ولكن كانت في أني أعرف هذه الأشياء!! سبتمبر 1991 لندن..
في أحد البرامج التلفزيونية شاهدت حوارا ساخنا كان يدور عن الارتباط والعلاقات المختلفة بين السود والبيض، فهناك الموافقون، وبالمثل هناك المعترضون، ولكل وجهة نظره، ولكن أعجبتني النظرة القائلة بأن العلاقات الإنسانية تسمو فوق اللون والجنس.. الشيء المدهش أن كل متحدث كان يجزم بصحة وجهة نظره ويكاد يحذر الطرف الآخر من مغبة الوقوع في المصيدة!! المصيدة!! رددتها عدة مرات وكأني أنا المعني بها.. يناير 1992 لندن..
في المسيرات التي سيرتها المعارضة السودانية لسفارة إيران ومبنى البرلمان البريطاني ومقر رئيس الوزراء البريطاني والسفارة الأمريكية والسفارة السودانية وبعض المنظمات الدولية والكنسية المهتمة بحقوق الإنسان.. جميع هذه المؤسسات تسلمت المذكرات المرفوعة من قبل المعارضة ما عدا سفارتي السودان وإيران!! وعندما سألت برناديت موظف السفارة السودانية عن سبب امتناعه عن تسلم المذكرة.. أجابها: لأن هذه المظاهرة سياسية!! أبريل 1992 لندن..
زرت اليوم مع برناديت معرضا يحكي عن الأوضاع في جبال النوبة كان قد افتتحه أحد نواب حزب العمال البريطاني.. هناك قابلت خميس جبر الدار، كنا قد تزاملنا في جامعة الخرطوم.. فكاد قلبي أن ينخلع عندما رأيتها، فقد كانت تربطنا علاقة حب لم يكتب لها النجاح كعادة علاقات الجامعة.. رحبت بي خميس هاشة وباشة كعادتها دائما ثم قدمت لها صديقتي برناديت، وحدثتها عن زمالتي وعلاقتي السابقة مع خميسة.. ضعفت خميسة وشحبت وأخبرتني بأنها قد انضمت للمقاومة للدفاع عن أهلهال في جبال النوبة وأصبحت المنسقة للتعليم في المنطقة وهي الآن في زيارة لأوربا لاستقطاب الدعم لبرامج التعليم.. دعوت خميس لتناول العشاء معنا بعد غد فوافقت بالرغم من ازدحام برنامجها.. أبريل 1992 لندن..
حكت لي خميسة عن تردي الأوضاع في جبال النوبة في شتى المجالات، وعن حاجة المنطقة لأي شيء فالمنطقة انعدم فيها، كما يقولون، - نفاخ النار.. كذلك أخبرتني عن قصة انضمامها للمقاومة، فقد شاهدت ممارسات وانتهاكات خطيرة في قريتها عندما عادت في الإجازة من كلية معلمات الأبيض التي كانت تعمل فيها.. "لم أتردد لحظة واحدة في الانضمام للمقاومة بعد الذي رأيته بأم عيني" قالت خميسة.. "فقد كان عملا متوحشا أن أرى القرية قد أحرقت، وقتل الأطفال والنساء والعجزة".. كانت خميسة تتحدث بهدوء وبصوت خافت وقد تسمرت نظراتها فوق السقف.. لم يكن الظرف مناسبا لنتحدث عن ذكريات الجامعة وعن بقية أفراد الشلة الذين تفرقوا في أرجاء العالم.. وعدت بأن أقابلها مرة أخرى قبل مغادرتها بريطانيا.. مايو 1992 لندن..
نجحت في مقابلة خميسة جبر الدار قبيل مغادرتها وتحدثنا عن كل شيء.. أخبرتني بأنها تزوجت من أحد أبناء المنطقة وهو حاليا في كينيا في مهم رسمية، كذلك قالت بأن حياتها الآن أصبح لها طعم خاص – صحيحي أنها صعبة – ولكنها مستمتعة بها.. كان يجمعنا تنظيم سياسي واحد عندما كنا طلبة في الجامعة، كنا نعمل لبناء السلام والحب والرخاء والتنمية..
أخبرتني خميس بأنهم في حاجة ماسة لكتب وكراسات وأدوات مدرسية متنوعة وكذلك لمعلمين ومعلمات.. نجحت الحركة في تفريغ بعض المقاتلين المتعلمين للاستفادة منهم في تعليم الأطفال ومحو الأمية.. يونيو 1992 لندن..
في الاحتفال الذي أقامته الروابط والجمعيات السودانية المتواجدة بلندن لصالح التعليم في جبال النوبة كانت التجاوب كبيرا.. فقد كانت هناك ندوات تعريفية عن الجبال ومعرضا للصور وأفلام فيديو ورقص شعبي ساهم بصورة فعالة في تنوير الكثيرين عن التحديات التي تواجه جبال النوبة.. في ختام الاحتفال كانت الحصيلة من الأدوات المكتبية والكتب والكراسات والأموال معتبرة..
هنالك في هكني في شمال لندن حيث تسكن برناديت- أصبحت أناديها برندا – اتصلت بمدارس المنطقة وحدثتهم عن حاجة أطفال النوبة للكتب والأدوات المدرسية بعد أن شاهدوا أحوالهم التعليمية المتردية وتهالك مدارسهم في شريط الفيديو الذي قامت باعداده هيئة التلفزيون البريطاني القناة الأولى كانت الحصيلة مقدرة.. تم تجميع كل هذه التبرعات وأرسلت لمكتب إعادة تنمية جبال النوبة في كينيا.. أكتوبر 1992 لندن..
وسلتني رسالة من خميسة جبر الدار تحكي فيها عن فرحة الأطفال هناك في الجبال عند وصول الكتب والأدوات المدرسية، وأخبرتني بأن المساحات ى- الأساتيك – قد كان لها دور كبير فغي استعمال صفحات الكراسات أكثر من مرة!!
أيضا ذكرت لي بأنهم تبنوا سياسة جديدة لاستقطاب المعلمين من الخارج خاصة أبناء المنطقة وذلك بدعوتهم للمشاركة في التعليم في حدود شهرين فقط ثم يمكنهم الرجوع مرة أخرى لمواصلة أعمالهم..
وقفت كثيرا في الجملة الأخيرة وبدأت أفكر في الأمر عدة مرات.. هل يمكن أن أذهب هناك؟؟ وماذا عن عملي هنا؟؟
وماذا عن علاقتي ببراندا؟؟ وهل منطقة جبال النوبة آمنة؟؟ ديسمبر 1992 لندن..
حزمت أمتعتي وتوكلت على الله بعد أن قدمت استقالتي من مكتب الملحق الثقافي السعودي بعد أن رفضوا إعطائي إجازة بدون مرتب.. وكنت قد التحقت حديث بمكتب الملحق الثقافي بعد أن تركت العمل بالصحيفة الكويتية.. اتفقت مع برندا بأن تلحقني في جبال النوبة في أواخر يناير القادم لنعود سويا إلى بريطانيا.. وصلتني تذاكر الطائرة منم مكتب إعادة تنمية جبال النوبة.. عشية سفري أقم نفر من أصدقائي حفل وداع صغير مدني بشحنات نفسية ومعنوية كنت في حاجة لها..يناير 1993 كرنقو عبدالله.- جبال النوبة..
وصلت كرنقو عبدالله أواخر الشهر الماضي بعد أن تأخرت بعض الوقت في العاصمة الكينية نيروبي.. كانت في استقبالي خميس جبر الدار وبعد نبذة تعريفة وجولة قصيرة في القرية وجدت فيها استقبالا وفرحا كبيرا.. توجهت بعد ذلك إلى المدرسة الوحيدة فوجدتها في حالة يرثى لها وكان قد استقبلني التلاميذ والتلميذات والطلبة والطالبات بالأناشيد والأهازيج المحلية انفطر لها قلبي وإن تظاهرت بالتجلد.. عرفت من كوكو مدير المدرسة بأن المدرسة بها كل الأعمار وأنهم أيضا يستغلون المدرسة عصرا لتعليم الكبار زائدا أنهم يدرسون التمريض كمادة إجبارية صباحا وعصرا وذلك لحاجة المنطقة للممرضين والممرضات.. مهمتي كانت تنحصر في التدريس بالمدرسة ثم علي أن أقوم باختيار بعض الطلبة والطالبات المبرزين لتدريبهم وتأهيليهم ليصبحوا معلمين من ثم.. في جهاز الراديو الصغير الذي نصغي إليه في الأمسيات – وهو أحد أدوات التسلية ووسيلتنا الوحيدة للتواصل الخارجي – نكاد نصاب بالخبل عندما نستمع إلى راديو أمدرمان وكأنهم يبثون من كوكب أتوقع بشوق كبير قدوم برندا في أي وقت حسب اتفاقنا واسأل نفسي هل تستطيع برندا أن تعيش في هذه المنطقة؟؟ فبراير 1993 كرنقو عبدالله..
أخيرا حضرت برندا وكان يوم حضورها عيدا حقيقيا بالنسبة لي وقد أحضرت لي معها كل صفحات الوفيات التي نشرتها صحيفة القارديان البريطانية فقد كانت من صفحاتي المفضلة!! صفحة الوفيات في صحيفة القارديان كانت تنشر نبذ تعريفية عن المتوفين من أعلام وأدباء وفنانين وسياسيين وموسيقيين وغيرهم من مختلف الدول ومن الجنسين.. وكنت أعرف من خلال ما ينشر عن المتوفى الكثير عن فترة حياته وعن النشاطات التي قام بها وكنت أجد متعة كبيرة في ذلك.. وفي بعض الحالات كانت تنشر الصحيفة نبذ تتعريفية أيضا عن قتلة ومجرمين!! وهل سيهربون من حكم التاريخ؟؟ في الثلاثة أيام الأولى لقدوم برندا لم أخبرها بقراري الذي اتخذته وقد لاحظت بأن هناك شيئا غبر طبيعي ولكن ما هذا الشيء؟؟ علي أنا أن أفصح عن كنهه.. فاجأتني برندا بالسؤال مباشرة: هل تريد أن تبقى بكرنقو عبدالله؟؟ أجبتها بتردد: .... نعم.. ثم سألتها: وماذا تودين أن تفعلي؟؟ أجابت: أنا لم أفكر في البقاء هنا.... فهناك عملي.... ولكن بعد أن أعود سأفكر في الأمر.. كان هذا اليوم كئيبا لكلانا ولم نتحدث فيه كثيرا.. مارس 1993 كرنقو عبدالله..
غادرت برندا كرنقو عبدالله.. أشعر بفراغ كبير... وعدت برندا أن تكتب لي.. على الرغم من انهماكي في العمل ومتعتي به التي لا توصف إلا أن الفراغ الذي خلفته برندا ما زال جرحا غائرا..
وقد علق أحد تلامذتي بعفوية مست شغاف قلبي عندما شاهدوا أني أسرح واطرق كثيرا في الحصص، فقال أحدهم: "يا أستاذ مشتاق للخواجية.. الفراق حار.. والله عليم!!".. أما ماذا حدث بعد ذلك فتلك حكاية أخرى..

انتهت.. لندن يوليو 1998