Wednesday, June 27, 2018





عبد الزمبار 
عمر عبدالله محمدعلي 

الحرامي!..... 

عرفت الإنسانية منذ وقت مبكر وقبل بداية الاستقرار والتجمعات الحديثة بعد اكتشاف الزراعة، عرفت السرقة والقلع من بعضها البعض. الإنسان البدائي كان يسرق كل شيء كالصيد، الرجال والأطفال والنساء.. كل الشرائع السماوية والأرضية كانت ومازالت تدين السرقة وأكل حق الناس بالباطل. بعد أن تطوّر الإنسان وترقى وتهذّب وضع القوانين واللوائح والعقوبات التى تنظّم حياته وتمنع هذه الأفعال الشريرة. في مكتب لتأجير السيارات في غرب مدينة لندن في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان زمبرة يعمل كمنسق،" كونترولا". كان هناك بعض الحرامية يمرون على المكتب ويعرضون مسروقاتهم على العاملين باسعار يسيل لها اللعاب. وفي بعض الأحيان كان هؤلاء اللصوص يطلبون من الراغبين أن يتمنوا مايريدون !.خاتم المنى قال ليك. في مرة من المرات الحرامية عرضوا على زمبرة دراجة بسعر زهيد. وعندما رفض زمبرة شراؤها، ترك الحرامية الدراجة متكولة على حائط المكتب وذهبوا إلى سبيلهم!؟. زمبرة مرة مرة، بمشي يتاوق !، ليها ويجي راجع... حكى فلان، صديق زمبرة أن صديقه التكّاسي في مدينة نيويورك ، مرة كان يقود سيارته. وفي تقاطع إشارة المرور وبينما هو واقف منتظرا الإشارة الخضراء تفتح، فجأة ظهر له رجل وهو يحمل صندوق كبير لكاميرا عالية الجودة، جديدة كرت!، عرضُها عليه للبيع. رفض التكٌاسي العرض. اصُر الرجل على التكاسي وبدأ يخفُض له في السعر حتى وصل المبلغ 25 دولارا فقط. هنا اخرج التكّاسي المبلغ وأخذ صندوق الكاميرا ورجع بيته فرحا وسعيدا. التكّاسي كان يمنّي نفسه بأن يصبح مصوّرا كالمصوريين المحترفيين..والبحر ما بيابا الزيادة!؟.. ومافيش حد أحسن من حد !!.. فقام بسرعة البرق بفتح الصندوق. وكانت المفاجاة. أنه وجد داخل الصندوق ثلاثة حجارة من الظلط الصلد!؟. في الستينيات من القرن الماضي، زمبرة كان ولدا صغيرا. أحيانا كان يزور خالته في الحلة الجديدة بمدينة كوستي. و مرات بنوم معهم في منزلهم المؤجر من المرحوم أحمد المصطفى الماحي. خالته كانت عبارة عن مكتبة متحركة في الحكي. كانت تحكي لهم قصص فاطمة السمحة وامنا الغولة والسعلوة. فكانوا يحفظونها على ظهور قلوبهم. ولكن لا يملُون سماعها مرة ومرات أخرى ابدا !. حكت لهم لاحقا، بأنه في بعض الليالي كان يتسلل إلى منزلهم، بعد منتصف الليل حرامي. يخرج حلة الملاح من النملية وينزّل طبق الكسرة ويأكل بكل اطمئنان ثم يرجّع الأشياء في مواضيعها ثم يذهب لحاله !؟. الأستاذ الجليل المرحوم هارون عبدالحليم احد درر مدينة كوستي، كان ناظرا للمدرسة الأهلية كوستي. وفي إحدى الليالي وهو راجع إلى بيت المدرسة الذي كان يسكن فيه لوحده، شاهد أحد اللصوص خارجا من بيته وهو يحمل مرتبة سريره . فبادره بقوله، رجّع المرتبة يا ثقيل!؟. فرجّع اللص المرتبه ومشى لحاله. وكأن الأمر لايعنيه!؟. اما التلميذ المشاغب، صديق زمبرة فقد حكى له، بانه مرة جازف! أحد ادراج المدرسة وتوجه به نحو بيته. وقبل أن يصل، فجأة شاهده أستاذه الجليل. فارتبك التلميذ وخاف خوفا شديدا واحتار ماذا يفعل!؟. وبدأ يبحث عن الاعذار ويقلبها في ذهنه قبل أن يسأله أستاذه..فالتفت اليه الأستاذ منوها له، بالله ياولد بعدما تذاكر بالدرّج ده، جيبو راجع معاك بكرة للمدرسة!؟. من ظرفاء مدينة كوستي و فاكهتها اللاعب الموهوب والمدرب الكبير المرحوم كابتن كير . يحكى عنه أنه في مرة من المرات عاد إلى بيته بدراجته المشهورة لأخذ أحد الأغراض المهمة. تكل عجلته بالقرب من باب بيته فدخل وأخذ الغرض وخرج في أقل من دقيقة. وعندما خرج لم يجد عجلته. فقد سُرقت!. فقال، معقولة !. بالسرعة دي!. بالله الحرامي ده التقول كنت رادفو!؟. هناك قصيدة للراحل المقيم شاعر الشعب محجوب شريف تحت عنوان، الحــــــرامـــــي. وآخر القصيدة تقول: 

"حليلك بتسرق سفنجة وملاية 
وغيرك بيسرق خروف السماية 
فى واحد بيسرق تصدق ولاية 
ودا أصل الحكاية وضروري النضال"....

"....

Sunday, June 24, 2018

حكاوي عبد الزمبار
عمر عبدالله محمدعلي

المدرسة....كوستي

المدرسة وخاصة الإبتدائية،  لها مكانة خاصة ومميزة في مسيرة حياة الفرد. فيها تتشكل الحياة الأولى خارج البيت والاحتكاك بالعالم خارج رقابة الأسرة المباشرة. و يتعرف الفرد على أفراد وشخصيات أخرى تثري الحياة وتعلمها وتنظمها وتغرس فيها روح المسؤولية والمثابرة والطموح... زمبرة،  أول يوم ذهب فيه للمدرسة كان قد توجه للمدرسة الغلط !. فقد ذهب مع صديقه وهو جاره الذي يسبقه بعام لمدرسه جاره التي لم  يتم تسجيله فيها..صديقه اخبره بأنه يعرف المدرسة ومافيش أي مشكلة. كانت المدرسة هي كوستي نمرة 3 الإبتدائية للبنين. هناك، اليوم الأول كان كالعيد، الكل فرحان ومسرور والجلاليب البيضاء الناصعة ما تديق الدرب!، والعمم تقول ليك ياغربتي!؟.  لم تكن هناك قوائم أسماء ليعرف الطالب في أي صف هو. فقد كانت الساعة الأولى كلها عبارة عن جري ولعب، وسلام وغبضة وحبور وبعدها نظافة لفناء المدرسة. صديق زمبرة، تمكن بحسب خبرته بأنه طالب سنيور !، بتوفير سلة قمامة مصنوعة من السلك، جميلة المنظر، خفيفة الوزن لزمبرة. وبذلك زمبرة ما عليه إلا وأن يتجول بين التلاميذ لجمع بقايا اوراق العوير !؛ المصفّرة وبعض اوساخ من هنا وهناك. بعد ساعة حضر والد زمبرة واخبره بأنه مسجل في مدرسة أخرى، وهي كوستي نمرة 2  وليس نمرة 3. زمبرة، مرة أخرى ذهب للمدرسة الأخرى ووجد نفس البرنامج ولكن وجد بعد ذلك طابور ومنه توجه كل فصل بقيادة أستاذ للفصل المخصص. كان ناظر المدرسة في ذلك الوقت هو الأستاذ الجليل نصرالله علي كرار وخلفه الأستاذ الكريم عبدالله الطاهر عليهما الرحمة والرضوان..كانت المدرسة والمدارس في ذلك الوقت توفر كل الكتب والكراسات والأقلام  وحتى الريّش والمحابر وكراسات الرسم والالوان والمدونة ذاتا كمان.  بالاضافة للزي الرياضي الذي يعطي لفريق كرة القدم للتباري به مع المدارس المختلفة. وايضا كان له مهام أخرى. فقد كان يعطي  للتلاميذ  المبتلة ملابسهم في الخريف ولكن عليهم احضاره في اليوم التالي مغسل ومكوي. أما المدرسون فقد كانوا مؤهلين اكاديميا وتربويا تاهيلا عاليا. من المدرسين الذين درُسوا زمبرة، الأستاذ معلم الأجيال أحمد ميرغني اللاعب الماهر والمدرُب الرياضي الفزّ  عليه الرحمة والرضوان ومنهم الأساتذة الأجلاء عمر زروق، مالك الخير، فائز عبدالرحمن، علي ابوسنينة، محمدالحسن محمد علي، ومن جنوب السودان الحبيب ابن الاستوائية البار أستاذ فكتور، علي الحاج طه ويعقوب جبارة. لهم التجّلة والتقدير اينما حلوا  وكانوا. هؤلاء الأستاذة كانوا يرتدون دائما أجمل الملابس وعادة تكون آخر صيحات الموضة من القمصان والبناطلين، وتقريبا كل يوم بقميص مختلف؛ قال أيه، قال قبل الإنقاذ كان الناس عندهم قميصين!؟... كان فراش المدرسة هو العم فرح والذي كان بحق هو دينمو المدرسة ونوارتها يتحرك كالنحلة بين الفصول ومكاتب الأساتذة بعزيمة لاتمل ولا تكل. فله كل التقدير والمعزة أيا كان. في ساعة الفطور كانت هناك الحبوبات الجليلات عليهن  الرحمة والرضوان، الائي كن يبعن الفطور للتلاميذ واذكر منهن حبوبة خديجة وحبوبة ست البنات وحبوبة ست النفر التي كان لفولها وطعميتها مذاق خاص. وايضا هناك حبوبة بت حامد أو حبوبة بكري، كما يحلو لنا بمناداتها. وقد اشتهرت بالزهد والورع؛ فقد  كانت تغرف الفطور للتلاميذ من دون حساب، حتى كنا نشفق عليها، كيف تربح وتتكسب حبوبة بت حامد، وهي تبيع الفطور بهذه الطريقة!؟. كأنه بالخسارة !. وحبوبة بت حامد بالاضافة لبيع الفطور فقد كانت تتعهد بالرعاية التامة، لضريح السيدة نفيسة بالقرب من المدرسة. فهي تنظفه وتغسل زير الماء ثم تملأه بالماء العذب كل يوم. كانت تحمل جردل الماء من بيتها  بحي المرابيع وهي حافية القدمين وكأنه واجب لابد من القيام به مهما كانت الظروف..في مدرسة مارتن لوثر كنج الإبتدائية بالقرب من منزل زمبرة  تقدُم المدرسة لتلاميذها وجبات الافطار المجانية خاصة لزوي الدخل المحدود. المدهش، ان هناك وجبات افطار اخرى للتلاميذ المتاخرين من الساعة الأولى!.
 المدرسة غالبية طلابها من أصول لاتينية وكتير من أسرهم لاجئيين غير شرعيين إلا انهم عندما يدخلون المدرسة فهم يتساوون مع التلاميذ الامريكيين في الحقوق والواجبات. المدرسة تقدم لهم ساعات اضافية لتعلم اللغة الانجليزية بالاضافة إلى جيش من المتطوعين الذين يعملون معهم بعد نهاية اليوم الدراسي في الواجبات المدرسية وذلك لأن أسرهم في البيت لا تتحدث اللغة الانجليزية...

Saturday, June 23, 2018

حكاوي عبد الزمبار
عمر عبدالله محمدعلي

العيد....

الأعياد هي مناسبات الإحتفال لدواعي دينية واجتماعبة ووطنية وغيرها. فيها يجتمع الناس ويقضون وقتا يروُحون فيه عن انفسهم. لعيد الفطر مكانة خاصة في قلوب الصائمين والصائمات، خاصة عقب نهاية فترة الصيام. في بلاد الاغتراب والهجرة تجد العيد له طعمه ومذاقه الذي يختلف عن الذي تعوُد عليه الشخص في وطنه الأم. مع أن الجميع يحاولون توطينه باستدعاء عادات وتقاليد الوطن؛ ولو لساعات قليلة. في بلاد الخواجات تلعب الجوامع وساحات الحدائق العامة والقاعات المؤجرة دورا مركزيا في لم شمل المحتفلين بالعيد. فتجد أفراد واسر وجماعات من دول وكيانات مختلفة، تملأها البهجة والسرور بقدوم عيد الفطر المبارك. تجدهم يرتدون ملابسهم الزاهية والتي يغلب على الكثير منها الزي التقليدي أو الوطني. فهناك أزياء غرب أفريقيا المتميزة، وأزياء شبه القارة الهندية، والعربية وكذلك الزي السوداني الأصيل. الذين يذهبون لصلاة العيد ويتفرقون بعدها عادة لاتكون هناك مأكولات إلا بعض المرطبات التي يأتي بها بعض الناس وأحيانا توفرها ادارة المسجد أو بعض الخيُرين.  واما إذا كانت الصلاة في قاعات أو ساحات عادة يكون هناك برنامج يعقبها، للمصلين وأسرهم احتفالا بالعيد السعيد.
 في السودان، كانت تقريبا تبدا استعدادات وتجهيزات العيد في الأيام التي تسبق العيد. تبدأ بنظافة البيت نظافة دقيقة. ويمكن يتبعها  طلاء وجير ومرات زبالة جديدة!، حسب إمكانية الأسر. اما يوم الوقفة وهو اليوم الذي يسبق العيد، يكون أهل وسكان البيت في حالة طوارئ؛ فالكل مشغول بما فيهم الأطفال والحبوبات!. الأمهات والاخوات والحبوبات مشغولات  بالتنظيف وتركيب  الستائر الجديدة أو المخبأة ليوم العيد. وأيضا بالطبيخ الخاص، كملاح التقلية أو النعيمية مع العصيدة أو الكسرة والتحلية شعيرية وسكسكانيةومرات فطائر المشبك!. وكذلك عمل الخبيز من كعك وبسكويت ومنين وبتفور، كل حسب ميزانيته؛ وهذا هو عيده ويومه!؟.. الأطفال عليهم حمل صواني الخبيز للافران القريبة. الحبوبات في يوم الوقفة ينظفن بالمقاشيش ساحة الشارع أمام البيت ويرشنها بالخرطوش أو بالجردل لتثبيت التراب على الأرض. وأيضا يغسلن المزيرة امام البيت اذا كانت هناك مزيرة. فيخلصن في غسلها ونظافتها بكرد ! ، التراب المترسب داخل الازيار ثم نظافتها من الخارج بحجارة الحيمور الصغيرة فتكون قد اكتسبت لونا زاهيا يسر الناظرين. وآخر شيء هو غسل الكيزان بعناية فائقة ثم إحكام  ربطها في المزيرة أو الزير.  في أيام زمبرة، كانت هدوم العيد!، تشترى قبل فترة تسبق العيد وذلك لاخذها للترزي الذي يكون في حالة لا يحسد عليها!؟. فهو مشغول ولا وقت لديه ليحك!، رأسه؛ ويعمل لساعات طوال لينتهي من ملابس الزبائن قبل العيد..زمبرة، يذكر مرات، الترزية يعملون سهرات!، ومرات عندما يكون العيد غير مؤكد، ثم فجأة يتم تأكيده يعود الترزية مرة أخرى لدكاكينهم ليفتحوها ليخلُصوا أعمالهم والتزاماتهم لزبائنهم المنتظرين على أحرُ من الجمر!.
هذا العيد  ما يميُزه، خاصة للأطفال الذين ينتظرونه بفارق الصبر،  هو العيدية!، والتي يجود بها الأهل والاقارب والجيران.  القروش التي بجمعها الأطفال كعيدية فهي لتأجير العجلات والقج!؟، بها في الحي أمام أولاد الحلة. فيمتطوها بحركات بهلوانية، والتفنن على إظهار المهارات الفردية، كالقفز بها على الأماكن المرتفعة أو قيادتها بيد واحدة أو بدون وضع الأيدي عليها!؟ .وايضا هذه هي الفرصة الذهبية لتعلم ركوب العجلة. وكم تظلُت شافع ووقع على قدومو!؟.واصابه الصداع والطمام والاشقدي!  من جراء السقوط من العجلة..  أو الذهاب بها إلى السينما. السينما في الأعياد تكون قد استعدت لهذا اليوم بجلب أفلام محبوبة ومرغوبة، بالتعاون مع مؤسسة الدولة للسينما؛  يا حليله..راحت شمار في مرقه!. فقد كانت أداة  تثقيفية وتعليمية لعبت دورا مهما في تشكيل وعي ووجدان الشعب السوداني،  مازال باقيا حتى الآن.. والخوف كله أن يكون هذا هو الجيل الأخير !؟...

Thursday, June 14, 2018

حكاوي عبد الزمبار
عمر عبدالله محمدعلي

الباص أو البص...

اول ما لفت انتباه زمبرة في بريطانيا عند وصوله،  هو أن الباصات تتحرك بالزمن وليس بعدد الركاب داخل البص!. فالباصات الداخلية أو المسافرة خارج المدينة لها جداول زمنية محددة؛  ليس هناك كمساري، السائق هو الكمساري !؟.  والباصات تعمل على مدار الساعة طوال اليوم !. بعد منتصف الليل،  تقلُ الباصات وتطول فترة البص قليلا، فمثلا بدل كل نصف ساعة، تكون كل ساعة هناك توقيت لبص متحرك. وذلك  لقلة عدد الركاب بعد منتصف الليل. مرة زمبرة كان يقف في محطة بصات في مدينة لندن ، فتأخر البص لدقائق فسمع أحد الانجليز يقول وهو في حالة استياء،  Any way London Transport!؟. وزمبرة يتكشم ساكت..وقال في سره الخواجة ده مجنون ولا شنو. ما سمع  ببصات السجانة والحاج يوسف والعزوزاب، ولا بصات مستشفى سوبا!؟. زمبرة أول ما وصل بريطانيا بعد اسبوع،  امتطى البص إلى مدينة صغيرة اسمها Chester تقع في شمال غرب انجلترا. هناك قابل قريبة وسلمه اماناته التي حملها له من السودان. البص كان فاخرا وبه كل سبل الراحة. بطاقة السفر  تكلّف 19 جنيها استرلينيا ولو اشتريت ذهابا وايابا عليك أن تدفع تقريبا 22 جنيها فقط!؟. السفر في هذا البلد ميسر بطريقة مريحة. وزمان أستاذنا ابوضراع!  كان يقول لنا في حصة الجغرافيا، "إذا كنت تريد أن تعرف البلد متقدمة أو لا، انظر لوسائل مواصلاتها".سلام عليه اياَ كان.. زمبرة ايضا سافر بالبص إلى المدن القريبة من لندن كاكسفورد وكمبريدج مرة بالبص ومرات بالقطار. ولكن الرحلة الطويلة بالبص كانت إلى ادنبرة في اسكوتلاندا.  مدينة جميلة وخلابة، وعلى البص أن يقطع المسافة بالتوقف في عدة محطات مجدولة، حيث ينزل الركاب لشراء المرطبات وخلافها كل حسب حوجته؛ وأيضا الذهاب للحمامات المجهزة. مرة في ادنبرة صادف زمبرة احتفال Edinbrough Festival السنوي الصيفي ويا له من احتفال. المدينة لبست حلة زاهية الألوان وقامت  المسرحيات والمعارض والاغنيات المختلفة. وأجمل ما في الاحتفال هذا هو أن المشاركين من كل دول العالم تقريبا كانوا يخضُبون المدينة بالثقافة والمعرفة والحب والسلام.
مرة زمبرة سافر من مدينة دنفر بولاية كلورادو إلى مدينة لانسنج بولاية متشجان. الرحلة استغرقت حوالي يوم ونصف ، ومع أنه قطع السهول والفيافي وشاهد الخضرة الممتدة مدى البصر، إلا انها كانت مرهقة. طبعا لاتوجد شماعة!؟، في باصات السفريات الطويلة؛ ولا كراسي نص!؟..
كان زمبرة في بداية حياته، وهو  يتحسس اقدامه نحو السفر شمالا إلى الخرطوم في العطلات المدرسية، كانت الفرحة  تملأ عليه حياته كلها. اغلب السفر كان بالقطار؛ ياحليلو !. في الخريف يتعثر الطريق البري بين كوستي والخرطوم وينقطع. تقريبا يوم 15 اكتوبر يفتح الطريق ويسمح  مرة أخرى للباصات بالسفر وحتى15 من شهر يوليو  مع بدايات الخريف يغلق مرة أخرى. يقال، أن أول  الباصات كان بص الخواجه أو البص السريع،  الذي كان يسافر من مدينة ربك إلى الخرطوم. وعلى المسافرين من كوستي النهوض مبكرا قبل طلوع الشمس لعبور  كبري كوستي العتيق عن طريق التاكسي او الحافلات. ومنها حيث يعبر البص بالطريق الترابي مارا بتخوم الجزيرة أبا ثم شمالا مرورا بالكوة وودالزاكي والملاحة ونعيمه ثم القطينة ومنها إلى الشيخ الياقوت ثم جبل أولياء فالخرطوم. وقد جسُدت أغنية يا ظبية البص السريع، للشاعر حسن اكرت هذه الرحلة التي سارت بها الركبان. وتقول  ابياتها،..
" ياظيبة الباص السريع**همت بيك وخايف اضيع
انت ايه وحسنك بديع **لوحه من ازهار الربيع
الحنان والطبع الوديع **في براءة الطفل الرضيع
قام من الخرطوم للجبل**في دقايق حالا وصل
ياالهي كيف العمل **لو نزلت ضاع الامل
عدي بينا وفرك الرمال**للقطينه جنه بلال "

زمبرة يتذكر عندما كان احد افراد اسرته يود السفر، كانت الوالدة عليها الرحمة والرضوان، تصحو مبكرة وتقوم بتجهيز شاي الصباح ووضع الزوادة في حرز أمين ليحمله المسافر معه. وعند وداع المسافر الذي ينتظره التاكسي أمام البيت، أو بحمل حقيبته إلى موقف التاكسي ليركب طرحة!،  كانت الوالدة تأخذ بعض التراب من تحت اقدامه وتربطه في طرف ثوبها، كفأل حسن بعودة المسافر سالما وغانما. مؤخرا دخلت باصات كثيرة ومثيرة، كباصات الأمان وهي من النيسان ثم دخلت باصات مؤسسة الجزيرة مدني التي اضفت نكهة على سفرياتها. لحقتها باصات التيسير ثم السفينة ورفيدة وغيرها...كانت مدينة كوستي مشهورة بالباصات التي تسافر إلى الحلال والقرى القريبة. كباصات كوستي الجبلين الرنك، كوستي جوري، كوستي المناقل، كوستي ود عشانة، كوستي الوساع وتندلتي، كوستي الدويم،  كوستي مديسيس، كوستي كريكرة، كوستي الفاشاشوية وقلي وودشمام ، كوستي ربك الجزيرة أبا..بعض الظرفاء يطلقون عليه، ربُك أبا كوستي!؟. كل بصات القرى هذه،  كانت قديمة، اكل الدهر عليها وشرب. وكانت من نوع الاوستن، الأبيض ضميرك !، أو البدفورد، السفنجة!. وقليل منها وش التيمز !؟، كما كان يطلقون عليه. اما باصات كنانة ربك، فيركب معك  في البص، السخل والديك وزجاجات السمن والمفاريك،  وسكاكين الضراع !؟..

Friday, June 8, 2018

حكاوي عبد الزمبار 
عمر عبدالله محمدعلي 

التلفون....

في منتصف تسعينات القرن الماضي في مدينة لندن، زمبرة كان في معية أحد الأصدقاء يتجولان في أحد اسواق جنوب المدينة؛ منطقة بركستون. فجأة شاهد زمبرة أحد الأشخاص أمامه، يرمي بالقرب منه هاتفا ليس غريبا عليه. التقطه زمبرة ونظر اليه وقال لصديقه، هذا يشبه هاتفي. فتحسس هاتفه ليقارن بينهما. المفاجأة كانت أنه هاتفه ذاته !؟. سرقه اللص. ولأنه لم يعجبه، فقام بقذفه!؟.  لص وكمان مفتري!؟. يعزل ويختار التلفونات السمحة ويرمي التلفونات من النوع الرخيص. ويبدو أن اللص كان يتعشم في تلفون لقطة  من النوع الحديث. ولكن خاب ظنه.  في بداية تسعينيات القرن الماضي وفي مدينة لندن كانت المكالمات للسودان تمثل صعوبة ورهقا كبيرا.  فقد كان معظم الناس يشترون الكروت والتحدث عبرها لأهليهم واحبابهم. لم تكن الخطوط جيدة ولم تكن أيضا رخيصة. وقد كتب زمبرة فيها من قبل وقال، "في بلاد الهجرة والاغتراب، تهاتف اهلك واحبابك ماوجدت لذلك سبيلا، ثم تهاتف نفسك العمر كله"!؟. من حكايات تلفونات ذلك الزمان تقول، أن احد المهاجرين اشترى كرت تلفون بأخر مبلغ تبقى له وهاتف أسرته في السودان.  لم يجد احدا بالبيت غير جدته التي تشكو من ضعف السمع. فدار الحديث التالي بينهما:
الو ، معاي منو، انا ولدكم فلان من لندن 
الحبوبة، منو ...قلت شنو !؟؟؟.
فلان، ده أنا يا حبوبة...وين ناس امي وابوي!.
الحبوبة، قلت منو ..في شنو..كده قول تاني...
فلان، يا حبوبة، عليك الله نادي لي أي زول جنبك. أنا دقايقي خلاس كملت...
الحبوبة، منو ، في شنو!؟؟
الفلان، يا حبوبة،  ما كتلتيني كتلة!؟.. خلاس دقايقي كملت كلها..
الحبوبة، منو...شنو!!
الفلان، ياخييييي ...خلاس مع السلامة!؟؟؟..
الاي فون والجلاكسي والبلاك بيري و الصيني وأنواع اخرى من التلفونات الحديثة اقتحمت بشدة الأسواق واصبحت في متناول الجميع. سبل التواصل عبر التلفونات اصبحت من السهولة بمكان. فقد أصبح التلفون عبارة عن كمبيوتر صغير يمكنك أن تفعل به ما تشاء. ومع ثورة المعلومات فقد افلست شركات الكروت.  بعد أن أصبح التواصل لأي مكان في العالم مجانا!؟.  شيخ فرح ودتكتوك له مقولة نسبت اليه ولم تحقق بعد !،  وتقول " آخر الزمان السفر بالبيوت والكلام بالخيوط". أي أن السفر بالقطارات والكلام بالتلفونات يمثل نهاية العالم.  في ستينيات القرن الماضي انتشرت أغاني البنات بصورة كبيرة عكست لواعج المرأة السودانية لاسيما في القضايا الاجتماعية والاقتصادية. ومع انها كانت بسيطة ولحدما مبتسرة إلا انها تثير الانتباه لبعض القضايا خاصة والفتاة السودانية بدأت أول خطواتها الوئيدة نحو التعليم. وبدات كذلك دخول بعض أدوات الحياة العصرية البلاد وسط قطاع كبير من موظفي الخدمة المدنية والتجار. فدخلت التلاجة والتلفون والتلفزيون. من ضمن أغاني البنات كانت هناك أغنية،" مع التلفون جاب تلاجة"!؟. وأيضا كانت هناك حكاوي المباهاة و الفشخرة من أمثلة، "شفتي يا هناية قمت من السرير عتُر  لي سلك التلفون ولو ما مسكت في التلاجة كنت كسرّت التلفزيون"!؟. ومن أغاني البنات الحديثة من نجر زمبرة!؟،
  زولي دهب بني شنقول ... زولي العمرو ما عمل مس كول 
 انت يا الاي فون الأخير...وانت الامير ووماك اجير

  حبيبي الشايل الجلاكسي ...حبيبي العجبو قاسي
حبيبي الخلا تنقاسي...حبيبي الهاجر وسكن تلاهاسي*

وقبلها كان التواصل عبر التلفونات يتم بالاتصال بالكبانية التي توصلك بالرقم الذي تريد. من حكاوي الكبانيات!، أن هناك مهاجرا كان يتحدث مع والده عبر الكبانية. بدأ بالسلام وحق الله وآخرة انبساطة!.  والابن يسأل ابيه، امي كيف     يا ابوي بالله، وقول ليها اعملي حسابك كتير وخلي بالك من صحتك. وفجأة،الأب يسأل ولده، يا ولدي القروش ما وصلت. والابن يواصل في السؤال عن أفراد الأسرة فردا فردا. والأب يسأل وأحيانا يقاطع ابنه، يا ولدي المصاريف لم تصلنا حتى الآن. بعد ثواني الابن يقول بصوت مسموع ، والله الخطوط دي كعبة خلاس.  دي خطوط دي بالله!؟. هنا، تدخل موظف الكبانية الغتيت!، قائلا للابن، ما قال ليك المصاريف يا ثقيل!؟. يعني عامل ما سامع، وحركاتك دي الخطوط كعبة. دي شنو!؟. ماكنت بتتكلم كويس عملتها في الخطوط. ردّ الابن لموظف الكبانية، اسمع يا اخينا انت سمعتو !؟.
موظف الكبانية، ايوه سمعتو.
الابن، سمح ماترسلها ليهو انت!؟..

*تلاهاسي هي عاصمة ولاية فلوريدا الأمريكية..

Tuesday, June 5, 2018

عندما يترنح الطاغية فمن الحكمة ألا نمدُ له طوق النجاة..
نتنظم..نتوحد..ثورة مستمرة