Thursday, June 14, 2018

حكاوي عبد الزمبار
عمر عبدالله محمدعلي

الباص أو البص...

اول ما لفت انتباه زمبرة في بريطانيا عند وصوله،  هو أن الباصات تتحرك بالزمن وليس بعدد الركاب داخل البص!. فالباصات الداخلية أو المسافرة خارج المدينة لها جداول زمنية محددة؛  ليس هناك كمساري، السائق هو الكمساري !؟.  والباصات تعمل على مدار الساعة طوال اليوم !. بعد منتصف الليل،  تقلُ الباصات وتطول فترة البص قليلا، فمثلا بدل كل نصف ساعة، تكون كل ساعة هناك توقيت لبص متحرك. وذلك  لقلة عدد الركاب بعد منتصف الليل. مرة زمبرة كان يقف في محطة بصات في مدينة لندن ، فتأخر البص لدقائق فسمع أحد الانجليز يقول وهو في حالة استياء،  Any way London Transport!؟. وزمبرة يتكشم ساكت..وقال في سره الخواجة ده مجنون ولا شنو. ما سمع  ببصات السجانة والحاج يوسف والعزوزاب، ولا بصات مستشفى سوبا!؟. زمبرة أول ما وصل بريطانيا بعد اسبوع،  امتطى البص إلى مدينة صغيرة اسمها Chester تقع في شمال غرب انجلترا. هناك قابل قريبة وسلمه اماناته التي حملها له من السودان. البص كان فاخرا وبه كل سبل الراحة. بطاقة السفر  تكلّف 19 جنيها استرلينيا ولو اشتريت ذهابا وايابا عليك أن تدفع تقريبا 22 جنيها فقط!؟. السفر في هذا البلد ميسر بطريقة مريحة. وزمان أستاذنا ابوضراع!  كان يقول لنا في حصة الجغرافيا، "إذا كنت تريد أن تعرف البلد متقدمة أو لا، انظر لوسائل مواصلاتها".سلام عليه اياَ كان.. زمبرة ايضا سافر بالبص إلى المدن القريبة من لندن كاكسفورد وكمبريدج مرة بالبص ومرات بالقطار. ولكن الرحلة الطويلة بالبص كانت إلى ادنبرة في اسكوتلاندا.  مدينة جميلة وخلابة، وعلى البص أن يقطع المسافة بالتوقف في عدة محطات مجدولة، حيث ينزل الركاب لشراء المرطبات وخلافها كل حسب حوجته؛ وأيضا الذهاب للحمامات المجهزة. مرة في ادنبرة صادف زمبرة احتفال Edinbrough Festival السنوي الصيفي ويا له من احتفال. المدينة لبست حلة زاهية الألوان وقامت  المسرحيات والمعارض والاغنيات المختلفة. وأجمل ما في الاحتفال هذا هو أن المشاركين من كل دول العالم تقريبا كانوا يخضُبون المدينة بالثقافة والمعرفة والحب والسلام.
مرة زمبرة سافر من مدينة دنفر بولاية كلورادو إلى مدينة لانسنج بولاية متشجان. الرحلة استغرقت حوالي يوم ونصف ، ومع أنه قطع السهول والفيافي وشاهد الخضرة الممتدة مدى البصر، إلا انها كانت مرهقة. طبعا لاتوجد شماعة!؟، في باصات السفريات الطويلة؛ ولا كراسي نص!؟..
كان زمبرة في بداية حياته، وهو  يتحسس اقدامه نحو السفر شمالا إلى الخرطوم في العطلات المدرسية، كانت الفرحة  تملأ عليه حياته كلها. اغلب السفر كان بالقطار؛ ياحليلو !. في الخريف يتعثر الطريق البري بين كوستي والخرطوم وينقطع. تقريبا يوم 15 اكتوبر يفتح الطريق ويسمح  مرة أخرى للباصات بالسفر وحتى15 من شهر يوليو  مع بدايات الخريف يغلق مرة أخرى. يقال، أن أول  الباصات كان بص الخواجه أو البص السريع،  الذي كان يسافر من مدينة ربك إلى الخرطوم. وعلى المسافرين من كوستي النهوض مبكرا قبل طلوع الشمس لعبور  كبري كوستي العتيق عن طريق التاكسي او الحافلات. ومنها حيث يعبر البص بالطريق الترابي مارا بتخوم الجزيرة أبا ثم شمالا مرورا بالكوة وودالزاكي والملاحة ونعيمه ثم القطينة ومنها إلى الشيخ الياقوت ثم جبل أولياء فالخرطوم. وقد جسُدت أغنية يا ظبية البص السريع، للشاعر حسن اكرت هذه الرحلة التي سارت بها الركبان. وتقول  ابياتها،..
" ياظيبة الباص السريع**همت بيك وخايف اضيع
انت ايه وحسنك بديع **لوحه من ازهار الربيع
الحنان والطبع الوديع **في براءة الطفل الرضيع
قام من الخرطوم للجبل**في دقايق حالا وصل
ياالهي كيف العمل **لو نزلت ضاع الامل
عدي بينا وفرك الرمال**للقطينه جنه بلال "

زمبرة يتذكر عندما كان احد افراد اسرته يود السفر، كانت الوالدة عليها الرحمة والرضوان، تصحو مبكرة وتقوم بتجهيز شاي الصباح ووضع الزوادة في حرز أمين ليحمله المسافر معه. وعند وداع المسافر الذي ينتظره التاكسي أمام البيت، أو بحمل حقيبته إلى موقف التاكسي ليركب طرحة!،  كانت الوالدة تأخذ بعض التراب من تحت اقدامه وتربطه في طرف ثوبها، كفأل حسن بعودة المسافر سالما وغانما. مؤخرا دخلت باصات كثيرة ومثيرة، كباصات الأمان وهي من النيسان ثم دخلت باصات مؤسسة الجزيرة مدني التي اضفت نكهة على سفرياتها. لحقتها باصات التيسير ثم السفينة ورفيدة وغيرها...كانت مدينة كوستي مشهورة بالباصات التي تسافر إلى الحلال والقرى القريبة. كباصات كوستي الجبلين الرنك، كوستي جوري، كوستي المناقل، كوستي ود عشانة، كوستي الوساع وتندلتي، كوستي الدويم،  كوستي مديسيس، كوستي كريكرة، كوستي الفاشاشوية وقلي وودشمام ، كوستي ربك الجزيرة أبا..بعض الظرفاء يطلقون عليه، ربُك أبا كوستي!؟. كل بصات القرى هذه،  كانت قديمة، اكل الدهر عليها وشرب. وكانت من نوع الاوستن، الأبيض ضميرك !، أو البدفورد، السفنجة!. وقليل منها وش التيمز !؟، كما كان يطلقون عليه. اما باصات كنانة ربك، فيركب معك  في البص، السخل والديك وزجاجات السمن والمفاريك،  وسكاكين الضراع !؟..

No comments:

Post a Comment