Thursday, May 7, 2009

شلة كراكاس
مّد مبارك رجليه إلى الأمام في مقعد طائرة الكاثي باسيفيك الوثير، ثم حاول النوم بعد أن اغمض عينيه إلا أنه لم يستطع.. نظر صوب النافذة فلم ير غير السحب متقطعة تارة ومختفية تارة أخرى.. أخذ من كومة الصحف التي أمامه، إحداها، وأخذ يقلب فيها من اليمين إلى الشمال، فقد كان قد ملّ أخبار الصفحات الأولى وما تأتي به من منغصات للحياة.. ولكن حتى الصفحات الاخيرة لم تخلو من الفضائح والمآسي لنجوم المجتمع.. ابعد الصحيفة جانبا بعد أن قام بوضع جهاز الاستماع في أذنيه وراح يستمع إلى بعض الأعمال الموسيقية، بعدها غطّ في نوم عميق، لم يشعر بالمضيفة وهي تضع على جسمه أسفل الرقبة غطاء من الصوف الناعم... في ميدان الحرية بكوستي كانوا يتسابقون بالدراجات المستأجرة من عم حمزة العجلاتي.. وكان جماع دائما يفوز بالسباق فقد كان اسرعهم وامهرهم في السيطرة على الدراجة، وهو يقودها بحركات بهلوانية مؤكدا ريادته في هذا المجال.. كان إسماعيل ومبارك يحاولان محاكاته وعندما يفشلان كانا يرددان دائما بأنهما حديثي عهد بقيادة الدراجات.. كانوا دائما ينتظرون عطلة الأسبوع في شوق وترقب ذلك رغم أن أسرهم كانت دائما تخاف وتمانع حرصا عليهم من الحوادث ومجتمع العجلاتية.. كان الأصدقاء الثلاثة تجمعهم الدراسة في المرحلة الأولية ولكن بمدرستين مختلفتين لا تبعدان كثيرا عن بعضهما.. ونادرا ما كانوا يراجعون دروسهم سويا وإن كانوا يتفقون في توفير بعض النقود من مصروف طعام الإفطار.. وكانت قد تمت بينهم وبين عم حمزة العجلاتي صداقة ومعرفة، فكان يدخر لهم من عجلاته المسلوبة العافية أصلا أحسنها، وكان يتقاضى كثيرا عن تأخير الصبية لدراجاته في مواعيده المحددة.. تذكر مبارك ذلك اليوم الذي كسر فيه جماع يده عندما ذهبوا بدراجاتهم إلى مباني المحاكم حيث يوجد هناك مرتفع يخترقه شارع الإسفلت الرئيسي الذي يقسم المدينة إلى قسمين.. كان ذلك المرتفع هو المكان المثالي لتعلم قيادة الدراجات.. فعلى الشخص أن يثبّت جسمه على الدراجة ثم يدفعها ليتدحرج بها وبمحاولة تتبعها أخريات يستطيع بعد ذلك قيادة الدراجة.. هكذا أخبر جماع صديقيه.. أراد جماع أن يقوم ببعض الحركات البهلوانية إلا أنه سقط وكسر يده في ذلك اليوم النحس.. عندما كبروا وجدوا انفسهم في المدينة نفسها التي نشأوا فيها فجماع يعمل مع منظمة إغاثة أجنبية ومبارك وإسماعيل يعملان في التدريس.. توثقت عري الصداقة بينهم فأصبحوا يلتقون مساء كل يوم تقريبا يتسامرون في مواضيع شتى ونادرا ما يعرجون على السياسة.. بعد فترة من الزمان وجدوا انفسهم خارج البلاد.. وجد مبارك نفسه في بريطانيا، أما جماع فقد استقر به المقام في فنزويلا بينما استقر إسماعيل في الفيتنام.. كانوا يلتقون كل سنتين في كرا كاس لزيارة صديقهم جماع وقضاء فترة العطلة معه.. كانوا قد رتبوا هذا الأمر منذ فترة.. أما جماع فقد كان يحسب الأيام والليالي لهذا اليوم، وقد كان يعني له مناسبة نفسية واجتماعية وروحية كبيرة.. كانت الرحلة إلى كرا كاس طويلة ومملة، وفي المطبات الهوائية التي أدت لتأرجح الطائرة صحا مبارك من غفوته وقام بربط الحزام.. كانت المطبات الهوائية متقطعة تهبط وتصعد بالطائرة إلى أن اختفت بعد مدة قصيرة من الزمن أعلنها قائد الطائرة.. حاول مبارك مواصلة النوم مرة أخرى إلا أنه فشل.. فأخرج مفكرته وبدأ يقرأ فيها.. فمن المؤمل أن يصل إسماعيل مساء الغد إلى كراكاس قادما من الفيتنام بينما سيصل مبارك بعد الظهر في نفس اليوم.. وبحساب فروقات الزمن فهي ساعات ويصل مبارك إلى كراكاس.. ارتسمت بسمة عريضة على وجه مبارك وهو يتذكر اللقاء الأخير للشلة، فهو وإسماعيل وعائلتيهما يتجشمون كل عناء للقاء صديقهم جماع.. أخيرا وصلت الطائرة وحطت رحالها على ارض المطار، الفرحة ملأت جوانح مبارك توقا لمقابلة صديقه الحبيب.. انتهت إجراءات المطار وخرج مبارك إلى بهو الصالة ليجد جماع امامه، وهو في مقعده المتحرك مشرق الوجه.. سارع مبارك برمي حقيبته وركع معانقا صديقه عناقا حارا.. سمع مبارك جماع يجهش بالبكاء فطفرت دمعة حرّى من عينيه.. أحس مبارك بيد تربت على كتفه، عرف أنها يد ليانا فنهض وعانقها وحياها ثم أخذ منها قيادة المقعد المتحرك إلى أن خرجوا من صالة الوصول.. توجهوا إلى أحد المقاصف داخل مبنى المطار حيث كانوا في انتظار صديقهم إسماعيل الذي سوف يصل بعد ساعات.. كانت ليانا تعرف مبارك صديق زوجها منذ فترة تبلغ عدة سنوات.. وأما زوجها جماع فقد تعرفت عليه في كمبوديا عندما كانا يعملان سويا فنشأت بينهما معرفة وصداقة ثم تطورت إلى زواج.. وعندما كانت استعدادات الزواج قائمة على قدم وساق فجأة وقع الحادث المؤسف لجماع وهو يقوم بآخر عمل له في الريف الكمبودي قبيل عطلته السنوية، والتي كانت معدة سلفا لاحتفالات الزواج فقد انفجر ذلك اللغم اللعين واطاح بساقيه.. عندما بلغ الخبر صديقيه هرعا إليه وهما يتضرعان إلى الله أن يسلمه ويحفظه لهما.. وصلا إلى كمبوديا في وقت مناسب وبقيا مع صديقهما طيلة أيام الفترة العصيبة.. كان جماع قد حاول إنهاء علاقته مع ليانا وصرف النظر عن موضوع الزوج بها، متعللا أنه لا يريد أن يقيدها ويسجنها مع إنسان مقعد طيلة حياته.. إلا أن صديقيه وبخاه على فعل ذلك خاصة بعد أن رأوا تعلق ليانا به وتعلقه بها.. بعد تردد وصمت وافق جماع على الاستمرار في علاقته مع ليانا التي لم تسعها الدنيا فرحا وأسرت لصديقيه جميلهما هذا وأصبحت مدينة لهما بحياتها، بينما هما لا يريان في عملهما هذا شيئا يستحقان عليه الشكر والثناء.. كانت ليانا وهي ابنة لطبيب فنزولي وأم اسبانية نشأت وترعرعت ببريطانيا تعمل مع منظمة غير حكومية تعني بالتنمية الريفية في كمبوديا بينما كان جماع يعمل مع منظمة خيرية هدفها نزع الألغام من الأراضي الكمبودية.. بعد إصابة جماع أقنعته ليانا بالرحيل والعيش في فنزويلا فتفرغا هناك لكتابة قصص الأطفال.. في المقصف الراقي بمطار كراكاس طلب الجميع الشاي والقهوة وبعض السندوتشات الخفيفة.. سأل جماع مبارك عن أحواله وأخبار أولاده؟؟ أجاب مبارك بأن سعاد زوجته كعادتها ذهبت إلى السودان وأخذت معها ابنتها الكبيرة زينب أما ابنها كمال فقد تمرد ورفض الذهاب.. قال جماع إن شقيقته الكبرى قد زارته العام الماضي مكثت معه شهرا كانت بردا وسلاما عليه ثم استطرد كنت أمني نفسي بزيارة أحد أفراد أسرتي ولولا بلوغ أمي الكبر لطلبت زيارتها.. سأل مبارك جماع عن آخر أعمالها؟؟ أجاب جماع ضاحكا: بالمناسبة يا مبارك هل تذكر قصص جداتنا وحكاويهم لنا عندما كنا صغارا.. ثم مواصلا الحديث، أنا أعني خاصة قصص التراث والخرافات كالغول والسعلوة وما شابه ذلك، هنا في فنزويلا ذات القصص هذه موجودة.. هل تصدق ذلك؟؟ هذا شيء مدهش أجاب مبارك.. نعم نكتب هذه الأيام في كتابا عن الغول والكلاب، قال جماع.. سأل مبارك: بالمناسبة كيف أخبار كلبكما جرقاس؟؟ أجابت ليانا: بخير وينتظرنا بشوق في المنزل.. كان جرقاس كلبا صغيرا عندما اطلق مبارك هذا الاسم عليه.. هل يا ترى سيعرفني؟؟ سأل مبارك.. أجاب جماع طبعا سيعرفك.. ألا تعرف الكلاب؟؟! قال مبارك: نعم أعرف! وضحك مبارك وانتبه حينما تحدثت ليانا عن المشروع الكبير الذي يعملان فيه مع بعض دور النشر للتحضير للمعرض الأول لكتاب الأطفال.. هذا المعرض يخص الدول الناطقة باللغة الاسبانية ومن المؤمل أن يقام العام القادم إذا سارت الأمور على ما يرام.. كان هذا المشروع قد وجد تجاوبا كبيرا من دور النشر وبعض الجهات التربوية كما أن منظمة اليونسكو قد باركت خطواته ووعدت بالمساندة والدعم.. قاطعها جماع ذاكرا أن ليانا قد انتخبت مقررا للمشروع إلا أنها اعتذرت.. لم يكن من المعقول على ليانا أن تقوم بتلك المهام لذا كان اعتذارها متوقعا خاصة مع ظروف بيئتها ومشاغلها الأخرى.. ولكن مع كل هذا لم تتوقف ليانا عن السؤال والاستفسار دائما عن المشروع وسير دعمه كلما دعت الحاجة.. استأذنت ليانا وتوجهت صوب مكتب معلومات المطار لتستفسر عن طائرة إسماعيل القادمة من الفيتنام.. هنا تحدث جماع لصديقه مبارك عن عظمة زوجته ليانا، وكيف أنها تقوم برعايته والسهر على راحته، وقال أنها أعطته عمرا جديدا وجعلت لحياته معنى.. كنا نعرف ذلك.. أجاب مبارك، ثم مستطردا ألا تعرف أن الطيبين للطيبات.. عادت ليانا وأخبرت جماع ومبارك بأن طائرة إسماعيل قد دخلت الأجواء الفنزويلية، فتهللت الوجوه وأشرقت.. كان إسماعيل يرتكز على أوضاع مالية جيدة، فقد ورث عن أبيه ثروة مقدرة إلا أنها لم تغير طبيعة حياته ولم تجعله يترك مهنة التدريس التي أحبها.. كان إسماعيل عضدا لكل مشاكل صديقيه المالية وما كان أكثرها خاصة قبيل مغادرتهما السودان.. وكان دائما يقول لهما عندما يشعران بالحرج: أنسيتم أننا إخوة؟؟ ويا ليت لو أن كل المشاكل نجد حلولها في المال؟؟ كانت الثروة التي ورثها إسماعيل من والده كبيرة وخشي الكثيرون ألا يقدر على تدبيرها خاصة عندما فاجأهم عمه في المحكمة وبوثيقة تقول أن له نصفها، اكتشفت المحكمة بعدها أن الوثيقة مزورة، فتوارى عمه عن الأنظار.. ذهب إسماعيل إلى عمه وتنازل له من نصيب مقدّر من ثروته وسط دهشة الأهل والمعارف والأصدقاء.. أخيرا وصلت طائرة إسماعيل وبعد الانتهاء من الإجراءات دخل الفضاء العريض الذي يؤدي لصالة المسافرين.. كان إسماعيل في صحبة سونق سانق زوجته الفيتنامية، وهذه كانت أول مرة تأتي معه.. رحب الجميع ببعضهم البعض ترحيبا حارا فيما قدم إسماعيل زوجته لباقي الشلة.. دهشت سونق سانق عندما رأت الجميع يمسحون الدموع من أعينهم.. توجه الجميع بعد ذلك في عربة المايكروباص الذي قادته ليانا.. في الطريق كان إسماعيل يشرح لها الطبيعة المتميزة لعلاقته بالشلة في رد على سؤال سونق سانق.. كان منزل جماع وليانا يبعد كثيرا من المطار وعندما وصلوا اجتهدت ليانا في إنزال المقعد المتحرك لجماع ساعدها في ذلك إسماعيل.. أنزل مبارك وسونق سانق الحقائب فتقدمت ليانا وفتحت المنزل مرحبة بالجميع وهم يهمون بالدخول دخل الكلب جرقاس مطلقا همهمات عدة وهازا ذيله.. اقترب منه مبارك ماسحا ظهره ببطن يده فاقترب جرقاس أكثر وهو يشم رجلي مبارك وهو لا يزال يهز ذيله ويخرج أصواتا تنم عن فرحة ومعرفة، مرة أخرى.. كان المنزل عبارة عن متحف صغير فاللوحات والتصاوير وبعض المصنوعات الشعبية والتي يغلب عليها الطابع الأفريقي تملأ ارجاء المنزل.. هناك مائدة كانت معدة سلفا بأطعمة منتخبة.. أشارت ليانا على سونق سانق لتساعدها في إعادة تسخين الطعام.. أصبح الأصدقاء الثلاثة وحدهم فسألوا عن أخبار بعضهم البعض وتحدثوا قليلا عن أخبار الأهل بالسودان ثم عرجوا على أخبار الأصدقاء الذين تشتتوا في المهجر إلى أن قاطعتهم ليانا داعية إياهم التوجه إلى المائدة.. بعد الانتهاء من العشاء قالت ليانا مخاطبة مبارك وإسماعيل طبعا تعرفان غرفتيكما فهما كما هما، نفس الغرفتين السابقتين وهما جاهزتين إذا أردتما الذهاب والخلود للراحة من عناء السفر الطويل.. شكر مبارك وإسماعيل ليانا وأخبراها بأنهما سوف يذهبان بعد قليل فهما يريدان التحدث قليلا مع جماع.. تحدثت سونق سانق بالفيتنامية مع إسماعيل فطلب من ليانا أن تقودها إلى غرفتها.. استمر الأصدقاء في التحدث بصوت مسموع تارة وهمسا تارة أخرى في غرفة الجلوس، ومن وقت لآخر تدخل ليانا أو تخرج حاملة في يدها شيئا إلى أن انتهت حركتها تماما في غرفتها.. قال جماع مخاطبا إسماعيل: قرأت ردك في شبكة الإنترنت وأنا أتفق معك في النقاط التي ذكرتها، ولكنك قسوت على صاحبنا قليلا.. آه.. تقصد ذلك الحيوان السمج، هؤلاء السذج لا يريدون تركنا على حالنا، أجاب إسماعيل.. مبارك: أرى أننا نضيع وقتنا ونحرق أعصابنا في الرد على هذه السخافات.. المهم هو أننا خلقنا السودان في كل مكان، قال جماع.. لم تدم الجلسة طويلا فقد اقترح جماع مواصلة الحوار صباح الغد، فصديقيه ما زالا يعانيان عناء السفر.. في صباح اليوم التالي تحلقوا جميعا حول المائدة الكبيرة التي تستقر في صحن المنزل، حيث تناولوا طعام الإفطار مع الشاي والقهوة.. كان إسماعيل يساعد ليانا في الإعداد والتجهيز لطعام الإفطار بينما جلس الجميع يتجاذبون أطراف الحديث الخفيف الممزوج بالمرح والدعابة.. كان البرنامج المعد بعد الإفطار حافلا، فهناك الكرنفال السنوي وزيارة المعارض الجديدة وصالات الموسيقى والرقص.. وهكذا تمر الأيام والليالي وقد انشغلت فيها شلة كراكاس بالأيام الجميلة التي قضتها في فنزويلا مع صديقها جماع.. وقبيل السفر تسهر الشلة حتى سفور الصبح تتحدث وتتسامر، عائدة لموضوعات تطرقت إليها من قبل تتخللها بعض الأحاديث الجديدة، ثم من بعد يؤكد أفرادها على شد أزر بعضهم البعض ومن ثم يحملون حقائبهم ويتجهون صوب المطار.. تكون الرحلة للمطار دائما كئيبة وصامتة وتحاول الشلة أن تجعل الأمر عاديا بخرق جدر الصمت بكلمات وتعليقات تكون في أغلبها بلا طعم وخالية من الحياة.. وكان دائما يصحبهم الكلب جرقاس وبين الفينة والأخرى يخرج أصوات حزينة كأنها كلمات وداع بينما يد مبارك تربت على رقبته طيلة الرحلة إلى المطار..
انتهت.. أغسطس 1997.

لندن
نشرت ضمن مجموعة قصصية تحت عنوان ترانيم الحصار عن دار عزة للنشر 2007

No comments:

Post a Comment