قوس قزح
جلس أمامه وبعد تعريف قصير أخبره مسئول صفحة المنوعات في صحيفة البحيرة أن سياسة الصحيفة هي مساعدة الأقلام الناهضة
ورعايتها، وذلك بتخصيص الحيز المناسب لنشر موادهم... لماذا؟؟ لأنهم حملة مشاعل الغد!!
ثم واصل حديثه بعد أن تغيرت نبرات صوته: ولكن لا بد أن تخبرنا قبل الشروع في كتابة أي مادة، حتى لا يكون هناك تضارب مع كتاب آخرين.. ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته التي شارفت على النهاية.. طبيعي أن تكون سمعت بمكانة صحيفتنا الذائعة الصيت.... أوضح مسئول الصفحة.. لم يكن مختار الريح مرتاحا لحديث مسئول الصفحة فقد كان شاردا عنه كليا، فهذا الحديث قد سمعه ألف مرة عندما زار من قبل صحف الهلال والجزيرة والنيل.. وبدأ له كأن هذه الصحف ما هي إلا صحيفة واحدة..
كان أشدّ ما يضايقه هو السؤال عن جنسيته، وكان يغيظه الإجابة الجاهزة من السائل قبل أن يقول شيئا.. يقولون له: الأخ طبعا من السودان!! أليس كذلك؟؟ والله ناس عظام وإخوة شرفاء.. كان مختار لا يتفوه بشيء، ويظل ينظر في صمت داخل عينّي المسئول الصحفي كأنه يبحث عن أشياء أخرى بعيدة، ماسحا فمه بيده اليمنى..
كان مختار كثيرا ما يعتذر عن تناول الشاي أو القهوة في المقابلات التي كانت تتم معه في الصحف التي كان يذهب للبحث عن وظيفة بها... نهض مختار من مقعده فجأة ثم شكر مسئول الصفحة ووعده بالاتصال به...... ثم همّ بالانصراف.. إلا أن المسؤول أشار عليه بيده بأن ينتظر لحظات، بعد أن تحدث المسؤول في همس مع شخص كان يشاركه المكتب نهض وصحب مختار إلى مخرج الصحيفة... بعد أن مرا بدهاليز وابواب إليكترونية.. كان أثناء خروجهما يحيي المسئول بعض العاملين من العرب والإنجليز.. عندما وصلا البوابة الرئيسية وقبل أن ينصرف مختار قال له المسئول: شد حيلك، نحن في انتظارك!!
ذهب مختار في صمت ولم يقل شيئا وسرعان ما توارى وابتلعه الزحام.. كانت في رأسه أشياء كثيرة ومبعثرة.. فأي مكان يقصد؟؟ سأل مختار نفسه؟؟ إلى هايدبارك؟؟ لا، لن أذهب إلى هناك فذلك المكان أصبح يجلب السأم بعد أن طارت منه الدهشة.. ثم حدثته نفسه بأن يذهب إلى منطقة كوفنت قاردن، حيث الموسيقي والألعاب السحرية والمعارض المجانية..
مرة أخرى صرف النظر عن هذه الفكرة عند تذكره الزحام ومقته له.. فجأة لمع بريق في عينيه فقد تذكر ذلك الرجل العجوز الذي يتجول في منطقة البيكاديلي وهو يحمل لافتته الشهيرة قرابة النصف قرن محذرا فيها تناول الدهون.. فهو يعرف ذلك الرجل فقد تحدث معه من قبل..
هذا صيد ثمين، سرّها مختار في نفسه.. فجأة اسرعت خطواته وعلت أنفاسه بعد أن دار نصف دائرة، متجها من الجنوب إلى الشمال فارتسمت على وجهه ابتسامة سرعان ما تبددت عندما تذكر أن مسئول الصفحة أخبره بالاتصال به قبل الشروع في بداية أي عمل..
لا لن أخبره فهذه فكرتي وأنا صاحبها، قال لنفسه.. ثم أردف لن أخبره مهما حدث فهؤلاء الموظفين أنا أعرفهم جيدا.. ثم هزّ رأسه وكأنه اهتدى إلى شيء ثمين..
للوصول على ذلك الرجل كان عليه أن يستقل قطار المترو من اقرب محطة.. لم تكن محطة قطار المترو قريبة منه خاصة أنه كان يريد التجول في منطقة بعيدة من محطات المترو، لكنه لم يكن قد عزم على جهة يقصدها بعينها..
تسارعت خطواته نحو المحطة، شدّ بنطاله إلى أعلى وهو يسرع الخطى وجد أن عليه بين الفينة والأخرى فعل ذلك..... فقد صحي مبكرا لهذا اليوم بعد أن أخبر صديقه أرباب الذي يسكن معه أنه في حاجة ماسة لبنطال جديد.. أشار عليه أرباب أن يختر ما يراه مناسبا، فهو يعرف أرباب منذ أن وطأت قدماه هذه البلاد، فأيادي ارباب البيضاء قد غمرته بالرعاية والمساعدة فكان ارباب يحضر له البيتزا يوميا في أواخر المساء من المقصف الذي يعمل به..
كان ارباب يخرج للعمل صباحا ويعود في أواخر المساء، ودائما ما يترك مختار نائما ويعود ويجده نائما أيضا، وكثيرا ما يتخاطبا بالرسائل، يتركاها في صندوق الشاي الفارغ المعلق بعناية على جدار المطبخ الذي الصقت عليه ورقة بيضاء كتب عليها صندوق الرسائل..
ذكر ارباب في عطلة نهاية الاسبوع الماضي في حياء انه لم يخرج ولم ير معالم مدينة لندن حتى الآن، وانه لا يعرف شيئا عن المتاحف والقصور والمسارح ولم يزر معرضا واحدا.. حتى التلفزيون الذي يحبه كثيرا لم يعد له وقت لمشاهدته.. كان اصحاب مختار يقولون له بأنه مشغول بجمع المال، ويداعبونه دائما بقولهم له: ليس بالمال وحده يحيا الإنسان..
كان ارباب من المداومين على حضور جلسات مجموعة مختار الأدبية التي تنعقد في منزله في عطلة نهاية كل اسبوع.. ومع أنه لا يشارك في الحوارات والنقاش إلا أنه كان يستمتع بها ويحرص على توفير كل مستلزمات الضيافة..
أخيرا وصل مختار محطة المترو، ما هذا الزحام؟؟ لعنة الله على الزحام، حدّث نفسه.. ثم بسخرية.. الإنجليز يتزاحمون ها!!.... آه عرفت سبب الزحام هذا وقت انتهاء دوام العمل.. ثم واصل حديثه لنفسه: سبحان الله، أنظر للشمس ما زالت في كبد السماء مع ان الساعة قد جاوزت الخامسة بقليل.. أفسح مختار الطريق لامرأة تسير بخطى متسارعة اقرب إلى العدو... ثم بعد برهة تخطاه بخشونة ظاهرة رجلا غليظ القلب والجسد، حليق الرأس واضعا قرطا في إحدى أذنيه ويحمل في يده صحيفة شعبية من النوع الرخيص..
لحسن حظه وجد مختار ان هناك قطارا يوشك على التحرك، وبسرعة اخترق الحشود بعد أن حمل نفسه حملا حتى وجد بعد جهد موطئ قدم، فدفعه الزحام على الوقوف في شكل علامة استفهام توشك على السقوط على قفاها، ومع ذلك كانت عيونه تتجول بين الواقفين والجالسين!!..
بعد مدّة ظنها مختار سنينا وصل القطار مقصده فخرج مختار مسرعا ليتنفس الصعداء فقد كادت روحه أن تخرج.. شدّ بنطاله إلى اعلى ومسح وجهه بيده ثم فرك عينيه فاعتدلت خطواته وواصل سيره.. تحسس قلمه الموضوع بعناية في جيبه، ولكن أين الأوراق؟؟ يا إلهي ليست معي أوراق!! ماذا أفعل؟؟
لا بأس.. سوف أشتري كراسة اوراق من النوع الرخيص.. توجه إلى محل صغير لبيع الأدوات المكتبية والصحف والحلوى فاشترى ما يريده وتوجه قاصدا الرجل العجوز..
وجد مختار الرجل العجوز يحزم أشياءه ويهم بمغادرة المكان، فخاطبه بتحية حارة تبين أن هناك غرضا ما يجهل الرجل العجوز كنهه.. شرح مختار للعجوز اهداف زيارته له في هذا الوقت المتأخر، فهو من صحيفة البحيرة التي تصدر من لندن وهي صحيفة عربية عالمية تطبع في قارات الدنيا الخمس في وقت واحد!! لم يعلق الرجل العجوز على هذه المقدمة الطويلة فاكتفى بالإجابة على الأسئلة ثم انصرف لحاله..
تحسر مختار لأنه لم يكن يملك كاميرا فالصور مع هذا اللقاء سوف تعطي هذه المقابلة نكهة ومذاقا خاصا، فهو يعرف لغة الصحافة.. شعر مختار أنه قد أنجز عملا رائعا سوف يساعده حتما في نشر هذه المادة التي هي جديدة على قراء العربية!! فكم كانت له ملاحظات حول المنشور في الصحف العربية..
رجع مختار إلى منزله متعبا.. خلع ملابسه بتكاسل ثم ذهب فاغتسل فتناول شيئا من الطعام، بعد ذلك قام بترتيب وإعادة صياغة المقابلة ثم وضعها في مكان أمين انتظارا لفجر الغد.. تردد في أن يصنع لنفسه كوب شاي ثم صرف النظر عنه، فهذا لن يساعده في ترتيب أفكاره المبعثرة، ثم هو أيضا يريد أن ينام مبكرا.... سمع مقدمة أخبار نشرة التلفزيون ثم توجه إلى غرفته لينام..
في الصباح الباكر وبعد تناول طعام إفطار خفيف مع كوب من الشاي، ارتدى ملابسه ذاتها على عجل ثم خرج مهرولا ليتصل هاتفيا بمسؤول الصفحة ويخبره بالصيد الثمين الذي أتى به للصحيفة.. الهاتف الذي بالمنزل يستقبل فقط المحادثات.. في طريقه لهاتف الشارع كان لا بد أن يحمل معه بعض النقود المعدنية، فأخذها من أصيص الزهور الفارغ الموضوع فوق جهاز التلفزيون الذي كانت توضع فيه..
وصل مختار إلى صندوق الهاتف الذي لا يبعد كثيرا عن المنزل.. وجد الهاتف خاليا من الناس فقد كان الوقت صباحا، فسرّه ذلك..
اتصل بمكتب الصحيفة فقام عامل التلفونات بتوصيله بهاتف مسؤول صفحة المنوعات فبادر مختار قائلا بصوت متمكن: صباح الخير يا أستاذ، أنا مختار وقد وجدت لك صيدا ثمينا.. كتبت لكم موضوعا قيّما عن الهايد بارك واركان النقاش التي تقام هناك أسبوعيا..
لا يا حبيبي........ هذا الموضوع "مضروب"!! قال مسؤول الصحيفة بفتور شديد.. أجاب مختار بنبرة تحدي: لا بأس.... هناك موضوع آخر وهو المهرجان السنوي الذي يقام في نوتنق هيل قيت..
يا حبيبي أنت شخص تقليدي جدا.. ألا تتابع ما يكتب في الصحف العربية؟؟ أجاب المسؤول.. شعر مختار وكأن مسؤول الصفحة يريد أن ينهي المحادثة الهاتفية معه....... لم تهن عزيمة مختار فأطلق صحكة باهتة ثم قال: لا بأس يا أستاذ.. هناك موضوع اعتبره أنا موضوعا متفردا.. شعر مختار بأنه ما زال يملك زمام المبادرة ولكن كان يضايقه بأن المسؤول قد بدأ صبره ينفذ وحماسه يخبو.. علي أن افجر المفاجأة الآن – قال لنفسه – ثم بسرعة خاطفة بعد أن وضع مزيدا من النقود المعدنية في جهاز الهاتف: معايا يا أستاذ.. ردّ عليه مسؤول الصفحة بعد برهة بتكاسل: نعم معاك يا أستاذ!! ؟؟قال مختار بعد أن شعر بامتعاض من رد المسؤول: هناك موضوع لم يتناوله أي شخص من قبل، ثم اردف: على ما أعتقد.. قالها وقد خرجت من فمه قسرا كأنه يريد شيئا من التواضع المصنوع وهو ما يزال يواصل حديثه مع المسؤول..
لقد قمت بإجراء مقابلة مهمة مع شخص يدعو إلى الكف عن تناول الدهون والدسم وهو يدعو لهذا الأمر لنصف قرن من الزمان.. وللأسف لم تكن معي كاميرا لآخذ منه بعض الصور.. يا حبيبي.... هذه المقابلة أمامي هنا الآن، فقد قام بها أحد كتابنا النشطين!!
لم يصدق مختار أذنيه، فرد المسؤول مرة ثانية.. لم يسمع مختار منه شيئا فقد اصابه الوجوم.. مرت فترة صمت ثقيلة قطعها مختار شاكرا المسؤول ثم أنهى المحادثة.........
وقف مختار لمدة وجيزة وبدأ يهز رأسه بين لحظة وأخرى حتى تغيرت ملامح وجهه وغلي الدم في عروقه..
انصرف مختار نحو المنزل يجرجر اذيال الخيبة.. عندما وصل المنزل أخذ ورقة وقلما وكتب مذكرة لصديقه ارباب ووضعها في صندوق الرسائل المعروف.. تذكر مختار أن ارباب كان قد أخبره من قبل بأن المقصف الذي يعمل به في حاجة إلى عمال.. فكانت المذكرة تسأل ارباب عن تلك الوظائف.. جلس مختار بعد ذلك في الصالون لبرهة من الوقت لا يعرف ماذا يفعل.....
نهض مرة أخرى من مكانه وتوجه إلى حيث صندوق الرسائل وأخذ المذكرة ووضعها في جيبه..... خاطب نفسه... لماذا أكتب مذكرة لأرباب؟؟ سوف أحدثه بنفسي.... فأنا اليوم سوف أنتظره حتى يأتي.
ثم واصل حديثه بعد أن تغيرت نبرات صوته: ولكن لا بد أن تخبرنا قبل الشروع في كتابة أي مادة، حتى لا يكون هناك تضارب مع كتاب آخرين.. ثم أخذ نفسا عميقا من سيجارته التي شارفت على النهاية.. طبيعي أن تكون سمعت بمكانة صحيفتنا الذائعة الصيت.... أوضح مسئول الصفحة.. لم يكن مختار الريح مرتاحا لحديث مسئول الصفحة فقد كان شاردا عنه كليا، فهذا الحديث قد سمعه ألف مرة عندما زار من قبل صحف الهلال والجزيرة والنيل.. وبدأ له كأن هذه الصحف ما هي إلا صحيفة واحدة..
كان أشدّ ما يضايقه هو السؤال عن جنسيته، وكان يغيظه الإجابة الجاهزة من السائل قبل أن يقول شيئا.. يقولون له: الأخ طبعا من السودان!! أليس كذلك؟؟ والله ناس عظام وإخوة شرفاء.. كان مختار لا يتفوه بشيء، ويظل ينظر في صمت داخل عينّي المسئول الصحفي كأنه يبحث عن أشياء أخرى بعيدة، ماسحا فمه بيده اليمنى..
كان مختار كثيرا ما يعتذر عن تناول الشاي أو القهوة في المقابلات التي كانت تتم معه في الصحف التي كان يذهب للبحث عن وظيفة بها... نهض مختار من مقعده فجأة ثم شكر مسئول الصفحة ووعده بالاتصال به...... ثم همّ بالانصراف.. إلا أن المسؤول أشار عليه بيده بأن ينتظر لحظات، بعد أن تحدث المسؤول في همس مع شخص كان يشاركه المكتب نهض وصحب مختار إلى مخرج الصحيفة... بعد أن مرا بدهاليز وابواب إليكترونية.. كان أثناء خروجهما يحيي المسئول بعض العاملين من العرب والإنجليز.. عندما وصلا البوابة الرئيسية وقبل أن ينصرف مختار قال له المسئول: شد حيلك، نحن في انتظارك!!
ذهب مختار في صمت ولم يقل شيئا وسرعان ما توارى وابتلعه الزحام.. كانت في رأسه أشياء كثيرة ومبعثرة.. فأي مكان يقصد؟؟ سأل مختار نفسه؟؟ إلى هايدبارك؟؟ لا، لن أذهب إلى هناك فذلك المكان أصبح يجلب السأم بعد أن طارت منه الدهشة.. ثم حدثته نفسه بأن يذهب إلى منطقة كوفنت قاردن، حيث الموسيقي والألعاب السحرية والمعارض المجانية..
مرة أخرى صرف النظر عن هذه الفكرة عند تذكره الزحام ومقته له.. فجأة لمع بريق في عينيه فقد تذكر ذلك الرجل العجوز الذي يتجول في منطقة البيكاديلي وهو يحمل لافتته الشهيرة قرابة النصف قرن محذرا فيها تناول الدهون.. فهو يعرف ذلك الرجل فقد تحدث معه من قبل..
هذا صيد ثمين، سرّها مختار في نفسه.. فجأة اسرعت خطواته وعلت أنفاسه بعد أن دار نصف دائرة، متجها من الجنوب إلى الشمال فارتسمت على وجهه ابتسامة سرعان ما تبددت عندما تذكر أن مسئول الصفحة أخبره بالاتصال به قبل الشروع في بداية أي عمل..
لا لن أخبره فهذه فكرتي وأنا صاحبها، قال لنفسه.. ثم أردف لن أخبره مهما حدث فهؤلاء الموظفين أنا أعرفهم جيدا.. ثم هزّ رأسه وكأنه اهتدى إلى شيء ثمين..
للوصول على ذلك الرجل كان عليه أن يستقل قطار المترو من اقرب محطة.. لم تكن محطة قطار المترو قريبة منه خاصة أنه كان يريد التجول في منطقة بعيدة من محطات المترو، لكنه لم يكن قد عزم على جهة يقصدها بعينها..
تسارعت خطواته نحو المحطة، شدّ بنطاله إلى أعلى وهو يسرع الخطى وجد أن عليه بين الفينة والأخرى فعل ذلك..... فقد صحي مبكرا لهذا اليوم بعد أن أخبر صديقه أرباب الذي يسكن معه أنه في حاجة ماسة لبنطال جديد.. أشار عليه أرباب أن يختر ما يراه مناسبا، فهو يعرف أرباب منذ أن وطأت قدماه هذه البلاد، فأيادي ارباب البيضاء قد غمرته بالرعاية والمساعدة فكان ارباب يحضر له البيتزا يوميا في أواخر المساء من المقصف الذي يعمل به..
كان ارباب يخرج للعمل صباحا ويعود في أواخر المساء، ودائما ما يترك مختار نائما ويعود ويجده نائما أيضا، وكثيرا ما يتخاطبا بالرسائل، يتركاها في صندوق الشاي الفارغ المعلق بعناية على جدار المطبخ الذي الصقت عليه ورقة بيضاء كتب عليها صندوق الرسائل..
ذكر ارباب في عطلة نهاية الاسبوع الماضي في حياء انه لم يخرج ولم ير معالم مدينة لندن حتى الآن، وانه لا يعرف شيئا عن المتاحف والقصور والمسارح ولم يزر معرضا واحدا.. حتى التلفزيون الذي يحبه كثيرا لم يعد له وقت لمشاهدته.. كان اصحاب مختار يقولون له بأنه مشغول بجمع المال، ويداعبونه دائما بقولهم له: ليس بالمال وحده يحيا الإنسان..
كان ارباب من المداومين على حضور جلسات مجموعة مختار الأدبية التي تنعقد في منزله في عطلة نهاية كل اسبوع.. ومع أنه لا يشارك في الحوارات والنقاش إلا أنه كان يستمتع بها ويحرص على توفير كل مستلزمات الضيافة..
أخيرا وصل مختار محطة المترو، ما هذا الزحام؟؟ لعنة الله على الزحام، حدّث نفسه.. ثم بسخرية.. الإنجليز يتزاحمون ها!!.... آه عرفت سبب الزحام هذا وقت انتهاء دوام العمل.. ثم واصل حديثه لنفسه: سبحان الله، أنظر للشمس ما زالت في كبد السماء مع ان الساعة قد جاوزت الخامسة بقليل.. أفسح مختار الطريق لامرأة تسير بخطى متسارعة اقرب إلى العدو... ثم بعد برهة تخطاه بخشونة ظاهرة رجلا غليظ القلب والجسد، حليق الرأس واضعا قرطا في إحدى أذنيه ويحمل في يده صحيفة شعبية من النوع الرخيص..
لحسن حظه وجد مختار ان هناك قطارا يوشك على التحرك، وبسرعة اخترق الحشود بعد أن حمل نفسه حملا حتى وجد بعد جهد موطئ قدم، فدفعه الزحام على الوقوف في شكل علامة استفهام توشك على السقوط على قفاها، ومع ذلك كانت عيونه تتجول بين الواقفين والجالسين!!..
بعد مدّة ظنها مختار سنينا وصل القطار مقصده فخرج مختار مسرعا ليتنفس الصعداء فقد كادت روحه أن تخرج.. شدّ بنطاله إلى اعلى ومسح وجهه بيده ثم فرك عينيه فاعتدلت خطواته وواصل سيره.. تحسس قلمه الموضوع بعناية في جيبه، ولكن أين الأوراق؟؟ يا إلهي ليست معي أوراق!! ماذا أفعل؟؟
لا بأس.. سوف أشتري كراسة اوراق من النوع الرخيص.. توجه إلى محل صغير لبيع الأدوات المكتبية والصحف والحلوى فاشترى ما يريده وتوجه قاصدا الرجل العجوز..
وجد مختار الرجل العجوز يحزم أشياءه ويهم بمغادرة المكان، فخاطبه بتحية حارة تبين أن هناك غرضا ما يجهل الرجل العجوز كنهه.. شرح مختار للعجوز اهداف زيارته له في هذا الوقت المتأخر، فهو من صحيفة البحيرة التي تصدر من لندن وهي صحيفة عربية عالمية تطبع في قارات الدنيا الخمس في وقت واحد!! لم يعلق الرجل العجوز على هذه المقدمة الطويلة فاكتفى بالإجابة على الأسئلة ثم انصرف لحاله..
تحسر مختار لأنه لم يكن يملك كاميرا فالصور مع هذا اللقاء سوف تعطي هذه المقابلة نكهة ومذاقا خاصا، فهو يعرف لغة الصحافة.. شعر مختار أنه قد أنجز عملا رائعا سوف يساعده حتما في نشر هذه المادة التي هي جديدة على قراء العربية!! فكم كانت له ملاحظات حول المنشور في الصحف العربية..
رجع مختار إلى منزله متعبا.. خلع ملابسه بتكاسل ثم ذهب فاغتسل فتناول شيئا من الطعام، بعد ذلك قام بترتيب وإعادة صياغة المقابلة ثم وضعها في مكان أمين انتظارا لفجر الغد.. تردد في أن يصنع لنفسه كوب شاي ثم صرف النظر عنه، فهذا لن يساعده في ترتيب أفكاره المبعثرة، ثم هو أيضا يريد أن ينام مبكرا.... سمع مقدمة أخبار نشرة التلفزيون ثم توجه إلى غرفته لينام..
في الصباح الباكر وبعد تناول طعام إفطار خفيف مع كوب من الشاي، ارتدى ملابسه ذاتها على عجل ثم خرج مهرولا ليتصل هاتفيا بمسؤول الصفحة ويخبره بالصيد الثمين الذي أتى به للصحيفة.. الهاتف الذي بالمنزل يستقبل فقط المحادثات.. في طريقه لهاتف الشارع كان لا بد أن يحمل معه بعض النقود المعدنية، فأخذها من أصيص الزهور الفارغ الموضوع فوق جهاز التلفزيون الذي كانت توضع فيه..
وصل مختار إلى صندوق الهاتف الذي لا يبعد كثيرا عن المنزل.. وجد الهاتف خاليا من الناس فقد كان الوقت صباحا، فسرّه ذلك..
اتصل بمكتب الصحيفة فقام عامل التلفونات بتوصيله بهاتف مسؤول صفحة المنوعات فبادر مختار قائلا بصوت متمكن: صباح الخير يا أستاذ، أنا مختار وقد وجدت لك صيدا ثمينا.. كتبت لكم موضوعا قيّما عن الهايد بارك واركان النقاش التي تقام هناك أسبوعيا..
لا يا حبيبي........ هذا الموضوع "مضروب"!! قال مسؤول الصحيفة بفتور شديد.. أجاب مختار بنبرة تحدي: لا بأس.... هناك موضوع آخر وهو المهرجان السنوي الذي يقام في نوتنق هيل قيت..
يا حبيبي أنت شخص تقليدي جدا.. ألا تتابع ما يكتب في الصحف العربية؟؟ أجاب المسؤول.. شعر مختار وكأن مسؤول الصفحة يريد أن ينهي المحادثة الهاتفية معه....... لم تهن عزيمة مختار فأطلق صحكة باهتة ثم قال: لا بأس يا أستاذ.. هناك موضوع اعتبره أنا موضوعا متفردا.. شعر مختار بأنه ما زال يملك زمام المبادرة ولكن كان يضايقه بأن المسؤول قد بدأ صبره ينفذ وحماسه يخبو.. علي أن افجر المفاجأة الآن – قال لنفسه – ثم بسرعة خاطفة بعد أن وضع مزيدا من النقود المعدنية في جهاز الهاتف: معايا يا أستاذ.. ردّ عليه مسؤول الصفحة بعد برهة بتكاسل: نعم معاك يا أستاذ!! ؟؟قال مختار بعد أن شعر بامتعاض من رد المسؤول: هناك موضوع لم يتناوله أي شخص من قبل، ثم اردف: على ما أعتقد.. قالها وقد خرجت من فمه قسرا كأنه يريد شيئا من التواضع المصنوع وهو ما يزال يواصل حديثه مع المسؤول..
لقد قمت بإجراء مقابلة مهمة مع شخص يدعو إلى الكف عن تناول الدهون والدسم وهو يدعو لهذا الأمر لنصف قرن من الزمان.. وللأسف لم تكن معي كاميرا لآخذ منه بعض الصور.. يا حبيبي.... هذه المقابلة أمامي هنا الآن، فقد قام بها أحد كتابنا النشطين!!
لم يصدق مختار أذنيه، فرد المسؤول مرة ثانية.. لم يسمع مختار منه شيئا فقد اصابه الوجوم.. مرت فترة صمت ثقيلة قطعها مختار شاكرا المسؤول ثم أنهى المحادثة.........
وقف مختار لمدة وجيزة وبدأ يهز رأسه بين لحظة وأخرى حتى تغيرت ملامح وجهه وغلي الدم في عروقه..
انصرف مختار نحو المنزل يجرجر اذيال الخيبة.. عندما وصل المنزل أخذ ورقة وقلما وكتب مذكرة لصديقه ارباب ووضعها في صندوق الرسائل المعروف.. تذكر مختار أن ارباب كان قد أخبره من قبل بأن المقصف الذي يعمل به في حاجة إلى عمال.. فكانت المذكرة تسأل ارباب عن تلك الوظائف.. جلس مختار بعد ذلك في الصالون لبرهة من الوقت لا يعرف ماذا يفعل.....
نهض مرة أخرى من مكانه وتوجه إلى حيث صندوق الرسائل وأخذ المذكرة ووضعها في جيبه..... خاطب نفسه... لماذا أكتب مذكرة لأرباب؟؟ سوف أحدثه بنفسي.... فأنا اليوم سوف أنتظره حتى يأتي.
إنتهت.. لندن، يونيو 1995

No comments:
Post a Comment